أما آن أوان حل هذا البرلمان؟
بقلم/ د. عيدروس نصر ناصر
نشر منذ: 7 سنوات و 8 أشهر و 10 أيام
السبت 22 يونيو-حزيران 2013 04:23 م

لم يعرف العالم كله منذ اختراع البرلمانات برلمانا عمر أكثر من ضعف عمره، إلا البرلمان اليمني الذي مدد لنفسه باتفاق ثم استغل هذا التمديد ليواصل عمله إلى أجل غير مسمى حتى بدون استئذان أصحاب الشأن (الناخبين) أو حتى إبلاغهم بانتهاكه لحقهم.

في 27 ابريل الماضي أكملت السنة العاشرة من عمر البرلمان اليمني دورتها، ودخل البرلمان عامه الحادي عشر، وما يزال الكثير من أعضائه يعتقدون بل ويأملون أن يعمر طويلا.

عندما جرى التمديد لهذا البرلمان لسنتين بعد نهاية فترته القانونية في العام 2009م كان السبب هو عدم توفر الأجواء الطبيعية لإجراء انتخابات وبالتالي تضمن اتفاق التمديد مجموعة من القضايا منها الاتفاق على التعديلات الدستورية والقانونية الكفيلة بإجراء انتخابات برلمانية مختلفة عن سابقاتها، انتخابات تؤدي إلى تمثيل حقيقي للشعب، وليس تمثيلا للأقوى والأغنى والأكثر خداعا واحتيالا.

وبدلا من أن ينصرف النواب إلى التشريع لهذه الإجراءات انصرفوا في البحث في القضايا السفسطائية التي لا صلة لها بمعاناة وهموم جمهور الناخبين.

أما الحكام فقد كانوا يحضرون لعملية أخرى غير تلك التي ينتظرها منهم الشعب، إنه مشروع التوريث الذي بدأت بذوره منذ وقت مبكر لكنها تفتحت في العام 2007م قبل أن يتصدى له بعض الشجعان الذين دفعوا ثمنا باهظا لمواقفهم وفي مقدمتهم الصحفي الشجاع عبد الكريم الخيواني.

وجاءت صرخة "اقتلاع العداد" لتؤكد أن الخيواني لم يكن فقط على حق بل كان يتنبأ بما هو أسوأ من مجرد التوريث، وهو تلميع السلطة والبلد لشلة من اللصوص والعابثين والطغاة، ولهذا جاءت ثورة الشباب السلمية لتعبر ليس فقط عن رفض هذا الشعب للتوريث بل وعن مدى الاغتراب والتباعد القائمين بين السلطة والشعب، السلطة الغارق أفرادها في سياسات العبث والنهب المنظم لما فوق الأرض وما تحتها، وتزوير التاريخ والافتراء على حقائقه، . . . والشعب المطحون بالفقر والبطالة والأوبئة وتردي الخدمات وتفشي النزاعات المسلحة والتلوث البيئي والانهيار القيمي، . . .إنهما اتجاهان متعاكسان لمعادلة واحدة، كان لا بد من تصحيحها وجاءت ثورة 2011 كمحاولة لتصحيح هذه المعادلة المختلة والمشحونة بعوامل الانفجار.

توقف البرلمان أثناء فترة الثورة الشبابية، بسبب عدم أهليته لعمل شيء ذي قيمة، ولو جرى ما جرى في اليمن في دولة أخرى لكان البرلمان أول من توجه بالإنذار إلى من سفكوا الدماء ونهبوا الأموال وعبثوا بالثروات وتلاعبوا بالدستور والقانون، والشروع في اتخاذ الإجراءات الرادعة لهؤلاء، لكن لأن البرلمان كان مجرد أداة طيعة بأيدي هؤلاء فقد مال إلى الاسترخاء والسكينة ولم يفق إلا ليعمد الحصانة للقتلة ويقايض شهداء الثورة والحراك، بالتشبث بمواصلة هذا الدور الهزيل الذين لم يعبر يوما عن حاجات الشعب وتطلعاته.

اليوم تعافت البلد أو أنها تسير باتجاه التعافي لكن هذا البرلمان لم يعرف العافية فما يزال يعيش ما قبل 2011م يثرثر بعض أعضائه وأن بدوافع نبيلة لمدة ساعتين في اليوم فيعتقد الشعب بأنهم يفعلون شيئا لكنه (أي البرلمان) يعجز عن إلزام الحكومة بالقبض على قاتل، أو محاسبة مدير صغير أو رئيس قسم صغير قصر في عمله أو ارتكب مخالفة مكشوفة لكل ذي عينين، (لكي لا نطلب منه محاسبة الوزراء ومن هو أعلى منهم).

لا أدري ما الحكمة من استمرار هذا البرلمان في فترة علق فيها العمل بالدستور وانتقلت قضايا الوطن إلى قاعات مؤتمر الحوار الوطني (الذي لم يتجاوز الاختبار الأول بعد) وبعد أن فشل البرلمان في كل شيء إلا في إقرار الموازنات والاتفاقيات والتشريع للفساد وتقنين العبث وإيصال الحياة السياسية والاقتصادية في اليمن إلى أسوأ مستوى عرفه التاريخ اليمني في الماضيين القريب والبعيد وفي الشطرين الشمالي والجنوبي، وفي الصعيدين الرأسي والأفقي.

إن مؤتمر الحوار الوطني (إذا ما كتب له النجاح) يقدم منظومة من التصورات بشأن التشريعات والقوانين، وأبوها، الدستور المنتظر ليمن جديد، مختلف عن يمن ما قبل 2011م ولذلك لا أدري لماذا ما يزال البرلمان العجوز يناقش بعض التشريعات ويسعى إلى إقرار قوانين أو مواد قانونية وأعضاؤه يعلمون أن كل هذا سيتم اجتثاثه في ضوء ما سيتمخض عنه مؤتمر الحوار الوطني.

استمرار الاستقواء بالأغلبية العرجاء الذي لم تفعل سوى توفير الأجواء الملوثة الملائمة للفساد والعبث، يمثل حالة من التعايش بين إدارة أدمنت الفساد والتسلط والاستبداد ونواب لا يهمهم سوى البقاء لفترة أطول على مقاعد البرلمان بعد أن مل الشعب اليمني من رؤيتهم وهم يثرثرون كل يوم فيما تتضاعف معانات هذا الشعب وتزداد آلامه بينما لا تفكر كتلة الأغلبية إلا بالتحايل على مصالح الشعب من أجل حماية مصالح زعمائها وقادتها الذين أوصلوا اليمن إلى الدرك الأسفل من المرارات والآلام والتفكك والتشظي، وهو أمر لا يستقيم ليس فقط مع مضامين المبادرة الخليجية (على مساوئها) التي وقع عليها قادتهم، بل ولا حتى مع منطق الأشياء حيث يظل الطرف الذي صنع كل مآسي اليمن هو المتحكم في صناعة المشهد السياسي والاقتصادي والعبث بمستقبل الأجيال حتى بعد أن فشل في كل الاختبارات من أبسطها حتى أكثرها مصيرية.

إذا ما صدقت التسريبات التي تقول أن الرئيس هادي قد هدد بحل البرلمان فإنه إذا ما نفذ هذه الخطوة سيكون قد فعل خيرا كبيرا لهذا البلد لأنه يكون قد أوقف إحدى مسببات وجع الرأس لليمنيين، وتصدى لأحد عوامل التلاعب بكل شيء في البلد بما في ذلك المبادرة الخليجية التي ليست محل رضا الكل، ووفر شيئا من المال الذي ينفق على ما لا يجدي ولا ينفع في شيء.

برقيات:

* الاعتداء الذي تعرض له الدكتور يا سين عبد العليم القباطي، الأخصائي بأمراض الجذام والذي قد لهؤلاء المساكين ما لم تقدمه لهم كل حكومات اليمن يبين مدى الاستهانة بالكفاءات اليمنية النادرة وقدرة اليمنيين على اغتيال الشموس المشرقة في سماء يلبدها غمام التخلف وضباب الأوبئة.

* الكاتب اللبناني خير الله خير الله، أحد الأنصار المتحمسين "سابقا" للرئيس علي عبد الله صالح قال أنه أعاد اكتشاف الرجل من خلال مقابلاته الأخيرة مع قناة "العربية"، وقال خيرا الله: لعل خير ما يعبر عن "الاستثناء اليمني" هو وجود الرجل في صنعاء كمواطن عادي بعيدا عن مصير نظرائه العرب الذين توزع مصيرهم بين الموت والسجن والنفي.

*يبدو أن خير الله لا يعلم أن الرجل لم يخرج من الحكم إلا بعد أن ابتز العالم بمنحه حصانه أبدية من المساءلة عن أي من أخطائه، وأنه محروس بفيلق من المقاتلين المحترفين لا يستطيع أحد حتى التخاطب معهم، وليس هذا استثناءً كما يرى خير الله بل إنه الابتزاز وتعسف القوانين والأعراف والأخلاق معا.

* يقول الشاعر العباسي العظيم أبو الطيب المتنبي:

وَلَرُبّــــمَا أطَرَ القـــَنَاةَ بفَارِسٍ،        وَثَــــنى فَقَوّمَــــهَا بِآخَرَ مِنْهــــُم

وَالوَجْهُ أزْهَرُ وَالـفُؤادُ مُشَيَّعٌ   وُالرّمْحُ أسمَرُ وَالحُسامُ مُصَمِّمُ

أفْعَالُ مَن تَلِدُ الكِرامُ كَريمَةٌ  وَفَــــعَالُ مَنْ تَلِدُ الأعَاجِمُ أعـــجمُ

aidnn55@gmail.com