لماذا يهاجم الرئيس هادي؟
بقلم/ د. عيدروس نصر ناصر
نشر منذ: 7 سنوات و 8 أشهر و 13 يوماً
الأربعاء 12 يونيو-حزيران 2013 04:26 م

عندما اتهم نائب رئيس كتلة المؤتمر الشعبي العام الأخ ياسر العواضي الرئيس عبد ربه منصور هادي بالوقوف وراء حادثة مسجد النهدين واستهداف الرئيس (حينها) علي عبد الله صالح وعدد من كبار نظام حكمه، وبهذه الصورة المملوءة بالثقة بصحة هذا القول لم يكن (أي ياسر العواضي) يتصرف تحت تأثير حالة غضب عابرة أو لسبب شخصي يخص العلاقة الشخصية بين الرجلين، بل إن هذا الاتهام يأتي ضمن حملة منتظمة يقودها طقم متكامل يبدأ بعدد من الكتاب المتدربين والصحفيين الصغار والمتوسطين ولا ينتهي بقياديين في حزب المؤتمر وبعض مراكز القوى التي اعتادت أن تتعامل مع البلد ومن فيها وما فيها، كجزء من ممتلكات أفرادها (أي هذه المراكز).

اتهام البرلماني المؤتمري والقيادي في حزب المؤتمر لرئيس الجمهورية بتهمة كهذه يحمل في داخله مخاطر كبيرة ـ ليس فقط على العملية السياسية في البلد، ولا على سير التسوية السياسية ومؤتمر الحوار ومستقبل المبادرة الخليجية لكنه يؤشر إلى أزمة كبيرة يعاني منها المؤتمر الشعبي العام، الذي يشغل فيه موجه التهمة، عضو اللجنة العامة (أعلى هيئة في المؤتمر) ويشغل المتهم فيه منصب الأمين العام، ونائب رئيسه.

وهكذا فياسر العواضي لا يعبر بالضرورة عن رأيه الشخصي، بل إنه يعبر عن تيار كامل داخل المؤتمر، ولا يمكن القول أن ما ورد على لسانه جاء بسبب إطلاق المعتقلين من شباب الثورة والذين حولهم المؤتمر إلى رهائن للمقايضة بهم على منفذي مجزرة جمعة الكرامة الذين ما يزال الرئيسيون منهم طلقاء، وما يؤكد قولي هذا ما ورد في بيان اللجنة العامة للمؤتمر وأحزاب التحالف الوطني الذي لمح إلى "أن جميع الحقائق دلت على أن التهم ثابتة على جميع المتهمين بمن فيهم من أفرج عنهم"، وهي إشارة واضحة إلى الرئيس هادي باعتباره هو من وجه بالإفراج عن هؤلاء الشباب الذين لم تثبت عليهم أية إدانة عدا إنهم غابوا عن ساحة التغيير أثناء حصول حادثة جامع النهدين.

لست من الراغبين في الاسترسال في تأييد هذا الاتهام الخطير أو نفيه، لأن ذلك يستدعي الوقوف على قرائن جدية لا يكفي مجرد تصريح صحفي أو حديث في جلسة قات أو حتى جلسة لجنة عامة لاعتباره وثيقة تبرئة أو إدانة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا اختيار الرئيس هادي دون سواه لتوجيه الاتهام له؟ وكيف تحول هذا الاتهام من علي محسن وأولاد الشيخ عبد الله الأحمر، إلى رئيس الجمهورية، ثم، على افتراض صحة الاتهام ماذا كان يريد منفذ الهجوم (الرئيس هادي) من تنفيذ هذه العملية وهو من ظل كل العالم يجري وراءه لتولي رئاسة الجمهورية بينما أبدا تمنعا واضحا وظل لما يقارب السنة يتردد في القبول بهذه المهمة؟ وأخيرا ماذا يريد المؤتمر الشعبي العام من توجيه الاتهام لأمينه العام، ونائب رئيسه، وقبل هذا كله رئيس الجمهورية اليمنية المتوافق عليه من كل القوى السياسية اليمنية بما فيها الحزب الذي يوجه له هذه التهمة؟

معرفتي ببعض سلوكيات وممارسات قيادات المؤتمر الشعبي العام، وكتلته البرلمانية والأخ ياسر العواضي تجعلني أضع جملة من الافتراضات التي لا أستبعد صوابيتها: وأهم هذه الافتراضات: السياسات الابتزازية وهي سياسة ثابتة لدى المؤتمر منذ تأسيسه، فهو يفتعل أزمة، ويرمي الاتهامات جزافا، ويكون قد حدد الهدف من هذه السلوك وهو تحقيق مكاسب سياسية أخرى غير معلنة، هذه المرة ربما يكون الإفراج عن المقبوض عليهم في حادثة جمعة الكرامة هو أقل هذه المكاسب التي يراد تحقيقها، مقابل الإفراج عن شباب الثورة، ومن ثم الاعتذار للرئيس هادي و"كل واحد يصلح سيارته" كما يقول الإخوة في الشمال عند حصول بعض الحوادث المرورية، لكن ما لم يحسب لها حساب هو التداعيات التي يمكن أن تنجم عن اتهام كهذا لا يملك أدنى الأدلة، . . اتهام مقصود به رئيس الجمهورية المؤتمن على ما هو أكبر من علي عبد الله صالح والسبعين نفرا الذين تضرروا معه من الحادثة، وهو اليمن بأهلها وثرواتها وتراثها وموقعها وتاريخها وعلاقاتها الإقليمية والدولية.

وهناك فرضية أخرى وهي التغطية على الجرائم التي ما يزال الرأي العام يعتبرها من أعمال العصابات التي ترتبط ببعض قيادات المؤتمر الشعبي العام، مثل الاعتداء على أنابيب النفط وخطوط الكهرباء واستمرار اغتيال القيادات الأمنية والعسكرية الجنوبية من قبل الملثمين، وغيرها من السلوكيات التي تعمل على خلط الأوراق وتعقيد عملية الانتقال السلمي وتعويق عمل حكومة الوفاق التي يساهم بها المتهمون (بكسر الهاء) بالنصف، لكن هؤلاء لا يهمهم حتى فشل وزرائهم طالما كان هذا يصب في صالح أجندتهم غير المعلنة وهي إثبات فشل الثورة السلمية والرهان على العودة إلى الحكم (بمفردهم) من النافذة بعد أن خرجوا من نصف هذا الحكم عن طريق الباب.

التهجم على الرئيس هادي يقصد به إرباك الرجل وإظهاره عاجزا عن الدفاع عن نفسه، فهم يعلمون أنه لا يوجه القضاة عبر الهاتف للحكم على خصومه السياسيين وفقا لإرادته، وأنه لم يسلم قيادة الأجهزة الأمنية والعسكرية لأولاده وأقاربه حتى يوجهها بشن الحروب على مخالفيه، كما إنه لم يسخر ثروات البلد لبناء مؤسساته الخاصة التي من خلالها يشتري ضمائر الناس ويحولهم إلى مداحين ومطبلين في ديوانيته.

ما نقوله هنا لا يعني أن عبد ربه منصور هادي ملاكا مطهرا من العيوب، بل إنه كمثل كل البشر له من السجايا ما لهم ولديه من العيوب ما لديهم، فضلا عن أنه يحكم على أكوام من الخرائب التي تركها له سلفه، والتي يعجز عن التخلص منها حتى أكثر الناس كفاءة في العالم، ومع ذلك يخوض معركة قيادة البلد برباطة جأش وصبر وحكمة وهدوء، ويكفي أنه لم يرد حتى ببنت شفة على كل الشتائم التي توجه له بالحق والباطل، بل ترك النباحين ينبحون والمهرجين يهرجون وانصرف إلى محاولة إعادة تعمير ما خربوه خلال ثلث قرن من الزمن وما يزالون.

أتمنى على الرئيس هادي أن لا يرفع دعوى قضائية ضد البرلماني ياسر العواضي على تلك التهمة الجسيمة التي وجهها لشخصه حتى لا يضخم من شأن شاتميه ويجعلهم حديث القاضي والداني، لأنهم لو كانوا صادقين في ما يقولون لكانوا رفضوا منحه أصواتهم عند ترشيحه لرئاسة الجمهورية، ولا أبقوه أمينا عاما لحزبهم ولا حتى سمحوا له بممارسة حياته العادية التي هي بالتأكيد ليست نعيما مطلقا.

 برقيات

*لا أدري لماذا تنشغل وسائل الإعلام كثيرا في موضوع ما إذا كان المرحوم عفاش (جد الرئيس علي عبد الله صالح) شيخا أم لا، ولا ما أهمية أن كان شيخا أم مواطنا عاديا، وماذا يفيد اليمن أو يضرها أن كان شيخا أم لا؟

*إن توماس أديسون، وفرانسيس بيكون، وأبو الطيب المتنبي، والإمام الشافعي، وألبرت أينشتاين وتيودور دوستويفسكي، ونجيب محفوظ وآلاف العلماء والمبدعين ليسوا أبناء مشائخ لكنهم قدموا للبشرية ما لم يقدمه كل أدعياء العراقة والأصالة والتميز، بينما ألحق بعض هؤلاء الأدعياء بالبشرية أضرارا لا تصلحها مئات السنين من إعادة الإعمار.

* قال الشاعر  

كن ابن من شئت واكتسب أدباً    يُغْــنِيكَ مَحْــــمُودُهُ عَنِ النَّسَبِ

فليس يغـــــــــني الحسيب نسبتهُ           بلا لــــــــــــسانٍ له ولا أدبِ

إن الفــــتى من يقول ها أنا ذا  ليسَ الفَتَى مَنْ يقولُ كان أبي

aidnn55@gmail.com