تصور عملي لأسس النهضة الحضارية في اليمن الجديد
بقلم/ د.عارف أحمد المخلافي
نشر منذ: 6 سنوات و 11 شهراً و 6 أيام
السبت 13 أكتوبر-تشرين الأول 2012 06:26 م

حتى لا تأخذنا المشاغل السياسية بعيداً عن النهوض بالوطن سنتناول في هذا المقال جانبان مهمان يعدان الأساس في بناء حضارة أي مجتمع من المجتمعات الإنسانية. هذان الجانبان هما العلم والثقافة. وقد اقترحنا فيه ضرورة أن يبادر الأخ رئيس الجمهورية بإصدار قرار بتعيين مساعد يختص بهذين الأساسين فقط كشرط من شروط النهضة..

فكيف يمكن تفعيل العلم كي يصنع حضارة ؟

وكيف يمكن بناء الفكر كي ينتج علماً ؟

ما هي وسائل التربية الثقافية للمجتمع ؟

وكيف يمكن أن تتحول ثقافة التخلف إلى ثقافة فاعلة تصنع المستقبل وتنير للأمة طريقها الحضاري ؟

أولاً العلم:

"مساعد رئيس الجمهورية لشئون العلم والثقافة"، منصب لا بد من استحداثه بحيث يسند لصاحبه الإشراف كامل الصلاحية على كل ما يتعلق بالعلم والثقافة وتربية المجتمع، له صلاحية المحاسبة وصلاحية التعيين والإقالة بما في ذلك وزراء التعليم والثقافة وما يرتبط بهما من جامعات ومراكز أبحاث وهيئات، وصلاحية الإشراف على رسم الاستراتيجيات المرتبطة بذلك، وهو المسئول الأول أمام رئيس الجمهورية والبرلمان، لا يكلف بأي عمل غير هذا العمل ولا يشغل بأي تكليف خارج نطاق اختصاصه. شريطة أن يختار الشخص الذي يحب العلم والثقافة ويطمح لبناء مجتمع المعرفة بصرف النظر عن خبراته الحكومية والمناصبية وانتمائه المناطقي، وثقله القبلي، بل يجب أن يتوفر فيه شرطان مهمان، مؤهل لا يقل عن دكتوراه، وله اسهاماته في جانب العلم أو الثقافة، نعم فبالعلم وحده تنهض الأمم.

 لقد تراجع مستوى التعليم في بلادنا بشكل مخيف، وتحولت المؤسسات التعليمية إلى كيانات هزيلة لا صوت فيها غير صوت الصراع الممقوت سواء أكان ذلك في المدارس أم في الجامعات، بل صار تشجيع الطلاب يقتصر على الخريجين فقط، وفي هذا الصدد لفت انتباهي حضور العديد من الوزراء والمسئولين وأعضاء مجلس النواب احتفالات تخريج دفعات من طلاب الجامعات الخاصة، بينما يفتقد الطالب المتخرج من الجامعات الحكومية لمثل هذا الاهتمام، لدرجة أن الخريجين يجمعون تكاليف احتفالات التخرج من جيوب أسرهم المثقلة بالهموم ومصاعب الحياة، او من خلال استجداء مذل ومهين من شريكات ومصانع ومتاجر وطنية، في حين أن رأس المال الوطني هذا وبخاصة الشريكات والمصانع والقطاع الخاص عموماً يجب أن يكون حضورها إلزامياً في احتفالات خريجين الجامعات الحكومية، ولكن ليس حضوراً ديكورياً، بل على كل جهة الإعلان في الحفل عن تخصيص عدد من الدرجات الوظيفية للمتخرجين والمتفوقين بخاصة وذلك في كل عام ..

ولذا لا بد من وضع خطة ستراتيجية تشمل تأهيل الكادر وإعادة تأهيل المؤهل وإنصافه مادياً، والتشدد في معايير التعيين بالجامعات باعتبارها مؤسسات صناعة المستقبل وإنتاج المعرفة وبناء الإنسان حتى لا تكون ملجأ لكل من حصل على الماجستير أو الدكتوراه من خارج الجامعة، وهذا ليس انتقاصاً من أحد بل هو حق للجميع، والمقصود به أن هناك مجالات أخرى لعمل هؤلاء شريطة أن تكون بنفس كادر الجامعة ومميزاتها، هذه المجالات هي مراكز الأبحاث، مع التأكيد على ضرورة الاستعانة بهم من خارج الجامعة واستقطاب الكفاءات التي تثبت تميزها منهم وتلك القادرة على العطاء والمنافسة..

من هنا يجب تنمية مراكز الأبحاث القائمة والتوسع فيها بحيث تشمل مختلف العلوم التطبيقية والإنسانية وأن يعمل فيها كل مؤهل قادر على البحث والإنتاج العلمي دون محاباة او مجاملات، كما يجب سرعة أنشاء مراكز للترجمة من اللغات العالمية إلى اللغة العربية والعكس وفق خطة تعد من قبل جميع المتخصصين في الجامعات وتنشر عبر وسائل الإعلام لتلافي أي خطأ او نقص، بحيث لا يستأثر فيها فلان ولا علان ولا وزير ولا رئيس ولا مرؤوس، القول الفصل فيها لأهل الاختصاص والدراية وحسب ..

ومن جانب آخر علينا إعادة النظر في المناهج الدراسية وأساليب التعليم من الصف الأول الابتدائي وحتى الجامعة، وكذلك ينبغي إعادة النظر -بالنسبة للدراسات العليا- في طرائق التدريس وسبل ومحفزات إنتاج العلم والمعرفة ومن ذلك التوسع في صناعة الكتاب وإنتاجه وبناء المكتبات العلمية المتخصصة وتوسيع القائم منها على مستوى الجامعات وعلى مستوى الكليات والأقسام بطرق علمية عالمية، وربطها بمكتبات العالم ومراكز العلم، وتغذيتها بكل جديد، وفقاً لمقترحات الأقسام العلمية وليس وفقاً لما هو مألوف من موسم الهجرة إلى معارض الكتب الدولية بحجة شراء المراجع والمصادر من قبل أشخاص لا علاقة لهم بالعلم، وإن وجد بينهم من أساتذة الجامعات إلا أن الواحد منهم ليس جامعاً للعلوم والحكم !!، فالتخصصات عالم من المعارف المتداخلة والمتشابكة. كما لا يجب أن ننسى أو نتناسى التوسع في إصدار الدوريات العلمية أو التركيز في دوريات تتوفر لها الرعاية بحيث تصل وفق خطة مقصودة ومدروسة إلى مستوى العالمية. فالمعروف -مع الأسف- أن جامعاتنا تهتم بصرف مقابل العمل خارج الدوام ومقابل بدل السفر اكثر من اهتمامها بصرف التمويل اللازم للدوريات العلمية التي صارت تجارة يتمصلح منها الذين اعتادوا على الفساد والتخريب في كل موقع يوضعون فيه. كما يجب ألا ننسى وضع خطة للاستفادة من أبحاث العلماء والباحثين وخلق مجالات متعددة لتطبيقها والانتقال بها من بطون الكتب وصفحات الدوريات إلى المؤسسات والمصانع ومجالات التطبيق العملي بحسب الاختصاصات ..

قد يقول قائل أن هذه نظرة خارج نطاق الإمكانيات، وقفز على الواقع، وأقول: الإمكانيات موجودة ومعتمدة لما هو قائم، ولكنها تذهب بعيداً عن أهدافها، هذا فضلاً عن إمكانية أن تتبني الجامعات مصادر دخل، كالاستشارات والتطبيب ورسم الخطط وغير ذلك من الأدوار التي تقوم بها جامعات العالم.

إن قابلية المجتمع اليمني للتقدم علمياً وثقافياً أثبتته قدرة الإنسان اليمني على العطاء والإبداع الاستثنائي عندما يهاجر بعيداً عن وطنه، وبخاصة إذا وجد بيئة حاضنة ترعى فكره وتنمي قدراته وتستغلها، وكذلك يظهر الأمر أكثر إذا وجد الفرد مؤثرات نفسية دافعة من قبيل تحقيق الاستقرار السكني والمادي، والشعور بالاطمئنان تجاه واجباته الأسرية ومتطلبات حياته العلمية والمجتمعية ...

ثانياً- الثقافة:

الثقافة مرادفة لكلمتي الحضارة والمدنية، وبدونها لا يستقيم الفكر ولا تتهذب الأخلاق. وجاء في قواميس اللغة أن الثقافة من الفعل "ثَقَفَ"، فيقال "ثقف الرمح: أي قومه وسواه"، و "ثقف الولد: أي تعلم وتهذب". ومن هنا نستطيع القول أن الثقافة هي الجوهر الذي يحمله الإنسان في نفسه وعقله وشخصيته ليعكس معاني الحضارة والتمدن.

وأمر الثقافة في اليمن لا يختلف عن التعليم من حيث تدهور حالتها وشل فاعليتها، والأدهى من ذلك تسطيح وتشويه غاياتها وصورتها. لذا نحن بحاجة إلى وضع خطة سترايجية يعدها المثقفون بمعرفة خبراء الاجتماع والعقيدة والفكر والفلسفة والأدب وعلم النفس والتربية والتاريخ، خطة لا تكتفي فقط بإظهار الفنون المنقوصة وتكريم المبدعين أحياناً! أو تكريم الموتى في أحايين أخرى !! في مظاهرة إعلامية آنية سرعان ما يتناساها الناس بمجرد إغلاق التلفزيون.

فالثقافة هي قائدة مسار التحول ورائدة إحداث التأثير التغييري، وأساس التقويم السلوكي المتناسب مع الحضارة والمدنية والروح الخلاقة. ولذا لابد من تفعيل ادوات إنجاز التحول الكبير ولا يكون ذلك إلا باستشعار الجميع للمسئولية العظيمة، ومن هذه الأدوات مساهمة رأس المال الوطني والمستثمرين الأجانب في مسيرة النهضة العلمية والثقافية وفق خطة تقر وتعلن في مؤتمر سنوي غير طوعي لرجال الاعمال والتجار والشريكات تنظمه وزارة الثقافة وتكون محاسبة عليه من خلال تقرير تقدمه في المؤتمر التالي وامام الجهات الرقابية؛ لأن تحول المجتمع إلى مجتمع المعرفة والحضارة كفيل بخلق أجواء آمنة للمستثمرين من مختلف الجنسيات وخلق بيئة استقرار آمنة بل ومسئولة، ولذلك يكون الاستثمار في مجال العقل والفكر سياج يحمي الاستثمار في المجالات الأخرى.

وهنا لا بد ان تتضمن الخطة الاستراتيجية برنامج عمل تنفيذي لتطوير المراكز الثقافية القائمة وإنشاء مراكز أخرى على مستوى المدن والقرى والتجمعات السكانية، وكذلك الأمر بالنسبة للمكتبات العامة، كما يجب إطلاق مشروع "مكتبة في كل بيت" لا تكون مجرد ديكور وحسب، بل ترتبط بمسابقات على مستوى كل قرية ومدينة ثم على مستوى الدولة، وتشمل الصغار والكبار، بحيث تتولى هيئة الكتاب طبع مئات الكتب بتمويل من المساهمين وبأسعار مخفضة، بل يمكن تقديمها كباقات كتب مجانية أحياناً إلى كل بيت.

فعلى المستوى الشعبي العام يجب أن تتعدد أشكال المسابقات على النحو التالي:

أولاً- قراءة الكتب وعرضها بشكل مكتوب، وقراءة الكتب واستعراض محتوياتها وتقديمها بشكل شفوي وبدون القراءة من الورقة.

ثانياً- الانتقال إلى مسابقة تتضمن تلخيص عدد معين من الكتب يتم تحديد عناوينها مسبقاً بما يخدم الوعي واكتساب مصطلحات الحضارة والف مسارها.

ثالثاً- الانتقال إلى عمل مسابقات في مجال البحث والإبداع والتفكير الإبداعي.

رابعاً- رعاية الموهوبين وابتعاثهم داخلياً وخارجياً، وإكسابهم لغات حية، بصرف النظر من أي مدينة أو منطقة أو قبيلة يكون هذا الموهوب والمبدع، لأن هذه الشريحة من الأطفال والشباب يجب ان تشمل بالرعاية حتى ولو كان الجميع من مدينة واحدة؛ لأن المحاصصة المناطقية في بناء الإنسان وتنمية الفكر والعلم لا محل لها عند الحديث عن الموهوبين والمبدعين، ومكانها يكون فقط في برامج التنمية العلمية والثقافية والتأهيلية.

خامساً- التركيز على تنمية المهارات الحرفية والفنية والتصنيعية، وتشجيع الإبداع فيها، وتخصيص جوائز سنوية لذلك، وعدم الاكتفاء بمجرد التقليد والاستنساخ.

إن هذه البرامج وغيرها كفيلة بتفجير الطاقات الكامنة في عقل ووجدان الإنسان اليمني، وكفيلة بإشغال الشباب بالعلم والمعرفة بدلاً عن الفرار إلى الفراغ ونتائجه الوخيمة؛ لأن شعور المرء بالرضا تجاه واجباته المجتمعية مرهون بالمكانة التي يضعه فيها هذا المجتمع واحترامه له، وهو ما يفجر طاقات الإبداع الخلاقة والبحث في ثنايا العقل عن كل سبيل يقود إلى النهضة الذاتية والعامة.

فالملاحظ بصورة عامة ان المجتمع اليمني اكتسب في السنوات الأخيرة وتحديداً منذ قرار حكومة باجمال في عهد الرئيس السابق، والتي قضت بحرمان آلاف الطلاب من الالتحاق بالجامعة، اكتسب المجتمع منذ ذلك الوقت ثقافة استهتارية واستهزائية بكل شيء، يمكن تسميتها "ثقافة الفراغ"، لأنها بالفعل ناتجة عن الفراغ الذي وضع فيه الشباب، حيث ولد لديهم ثقافة انتقامية من المجتمع والعلماء والمثقفين وكل شيء سوي، فحلت ثقافة البذاءة اللفظية محل التأسي بكل ما هو طيب والذي كان سائداً في الجيل السابق حين كانت المنافسة علمية وثقافية وليس منافسة على الفوضى بل والتسابق إليها، مثل تكوين العصابات والعصبويات المؤذية للناس وللسكينة العامة في الأرياف والمدن على السواء.

ولعل من ابرز المظاهر الغريبة بل والمفارقات المؤسفة، ان داء التخلف والفوضى غزا المحافظات المتعلمة والمثقفة، وأثر فيها بدلاً من أن يحدث العكس فيؤثر المثقف في من لم تصل إليه الثقافة بعد !! والدليل على ذلك عودة الظاهرة القبلية العصبوية إلى محافظات كانت قد محت هذه المظاهر السلبية منذ عقود، وهو ما يرتبط بسياسة تعميم الجهل والتخلف والولاء المطلق للقبيلة حقاً وباطلاً في الفترة الماضية، فقد وصل الحال إلى درجة أن حرباً قصيرة دارت بين قبيلتين في إحدى المحافظات المثقفة، دخلت فيها الحرب الإلكترونية لأول مرة في تاريخ الخلافات القبيلة!!. فتجد صفحات التواصل الاجتماعي تعج بقصائد المديح لهذه القبيلة او تلك ناهيك عن التحريض ضد الآخر وتحقيره، بطريقة تعصبية تذكرنا بحروب "البسوس" وداحس والغبراء" في العصر الجاهلي ؟؟!!. ومن المفارقات ذات العلاقة بموضوع هذا المقال أن سبب تلك الحرب ضعف التعليم وغياب الوعي الثقافي بين الفئة الجديدة من هذا الجيل؛ حيث كانت شرارتها الأولى خلاف بسيط بين طلاب في إحدى المدارس توسع إلى تعصبات قادت إلى الحرب، وهنا تكمن الخطورة، فبدلاً من أن تكون المدرسة بيئة ضامنة للاستقرار ومنتجة للشخصية الحضارية، صارت هي –مع الأسف- بيئة للجهل بكل اشكاله.

إن هذه الظاهرات الجديدة برزت فقط في ظل نظام الحكم السابق حين غلّب ثقافة العصبوية القبلية والسياسية على ثقافة الوطن والحضارة والمحبة، وإلا متى سمعنا بعد العصر الجاهلي ؟؟!! عن غارات مسلحة تقوم بها قبائل من محافظة إلى محافظة انتصاراً لأحد أبناءها مخترقة كل الحواجز الأمنية وكأننا في الصحراء حين كانت القبائل تغزو بعضها البعض قبل مئات السنين ...

وفي الختام أرى أنه من الصعب قطع اشواط كبيرة في التنمية الاقتصادية ما لم نجتهد في التربية المجتمعية على مستوى التعليم والثقافة، إذ بدون هذين العاملين لا يمكن تحقيق تنمية صاعدة أو تنمية مستدامة، والدليل على ذلك ما نراه من تخريب لمقدرات البلد الاقتصادية كالكهرباء وأنابيب نقل الغاز والنفط. فلو كان التعليم منضبطاً والثقافة موجودة وفاعلة ما أقدم أولئك النفر على الإضرار بالوطن والشعب، وهنا لابد من تفعيل برامج محو الامية عند الكبار حتى تصل المعرفة إلى الجميع.

وللإنصاف لا بد كذلك من القول أن سريان مفعول ثقافة التخلف يغلف مفاصل رئيسة في كيان الدولة وهو ما قاد إلى خلل في التوازن التنموي ومساحته، وهو الأمر الذي أحدث غبناً في نفوس سكان بعض المحافظات.