من روائع الجمال والإبداع في
بقلم/ محمد مصطفى العمراني
نشر منذ: 3 أشهر و يوم واحد
الجمعة 01 إبريل-نيسان 2022 08:09 م

" قبل أكثر من عشرين عاما كنت في مطلع شبابي وبدأت أقرأ في كتاب " وحي القلم " للرافعي ـ رحمة الله تغشاه ـ لشهرته التي ملأت الآفاق وثناء الجميع عليه ، ولكني حينها كنت أستوعب بعض المعاني وأفهمها وأقرأ فقرات وربما سطورا ولا أفهم مراده منها ، وجدت فيه بعض الغموض ، ولغة راقية لم أصل إليها ، ثم تركت القراءة فيه ، ومضت سنوات من عمري ، وعدت إليه وأنا في الثلاثين من عمري فوجدت فيه دررا وجواهر لم أجدها في الماضي ، وبدأت أفتح أبواب معانيه العميقة وأعانق أفكاره السامية ، وأتذوق حلاوتها وأتمتع بسحر أسلوبه المتفرد في الكتابة ، ثم عدت إليه الآن وقد زاد عمري عن الأربعين فوجدته بحرا مليئا بالأصداف والجواهر واللآلئ وهذا لا يكون في كل كتاب ولكنه من سحر تفرد به " وحي القلم " وهو من شواهد عظمته وروعته فكلما قرأت فيه كلما وجدت معاني وأفكار جديدة ، وكلما عدت إليه كلما باح لك بأسراره وأضاء لك من أنواره وأخرج لك من كنوزه ما يجعلك تعود بغنيمة وافرة لم تكن قد ظفرت بها في الماضي .

قرأت الكثير من الكتب فلم أجد مثل لغة الرافعي المتفردة الراقية المحلقة في أفق من الجمال والروعة التي لا مثيل لها ، كيف لا وقد أقتبسها من القرآن فهو من عاش " تحت راية القرآن " ومن كتب وأبدع وأجاد وأفاد في الحديث عن بلاغة القرآن فقد (بدأ الرافعي حياته مع القرآن الكريم، فقد ختمها أيضا معه، حيث كان القرآن الكريم آخر عهد له بالقراءة التي هي شغفه الأول والأخير، كما كان آخر عهد له أيضا بالحياة التي عاش فيها مسافرا على أجنحة الإبداع، أو متبتلا تحت ظلال وحي القلم).

ومما يؤثر في دفاعه عن لغة القرآن قوله عن نفسه "إنّه يُخيل إليّ دائما أنّي رسول لغوي بُعثت للدفاع عن القرآن ولغته وبيانه، فأنا أبدا في موقف الجيش تحت السلاح".

كم أدهشني ذلك العمق الذي في كلماته وكم أطربني أسلوبه الساحر المتدفق مثل نهر من العسل المصفى ، وكم بهرني أسلوبه وهو يغوص في أعماق النفس البشرية (ورغم ما أودع الرجل في كتابه من تاريخ وعمق تحليلي وقراءة واعية للتراث العربي بمختلف مجالاته الثقافية والأدبية والدينية، فإنه كان بالنسبة له أقل من المرغوب ودون ما كان يروم، إذ يقول "لا أقول إنّي أتيت منه على آخر الإرادة، ولا أعزم أنّي أوفيتُ الإفادة)".

في وحي القلم يحدثك الرافعي بمناجاة بديعة وشعور صادق عن خبايا النفس وخفايا القلب وتقلبات العواطف وأسبابها ويفلسفها ويفككها ويكشف لك أسرارها ويخرج لك أخبارها وكأنه قد أصطلي بنارها فكتب كتابة من عانى وكابد الأشواق وأحب وسهر الليالي وجرب الهيام وأصابه الشغف وأشرف على التلف .! ودعني ألقي إليك بعض درره لتتأملها وهي تضيء وتشرق بمعاني مدهشة وأفكارا بديعة ، يقول " الفجر لا يوقظ العيون من أحلامها ، أنه من يوقظ الروح لأحلامها " ، ويقول " إن السرور ما هو إلا تنبه معاني الطبيعة في القلب " و يقول وهو يتحدث عن الربيع " الحياة إذا أنت لم تفسدها جاءتك دائما هداياها " " في الربيع تظهر ألوان الأرض على الأرض ، وألوان النفس على النفس " و " ليس العيد إلا إشعارا لهذه الأمة بأن فيها قوة تغيير الأيام ، لا إشعارها بأن الأيام تتغير " . ويقول وهو يخاطب البحر " وإذا ركبك الملحد أيها البحر فرجفت من تحته ، وهدرت عليه وثرت به ، وأريته رأي العين كانه بين سماءين ستنطبق أحداهما على الأخرى فتقفلان عليه ، رأيته يتطأطأ ويتواضع ، كأنك تهزه وتهز أفكاره معاً ، وتدحرجه وتدحرجها . وأطرت كل ما في عقله فيلجأ إلى الله بعقل طفل .

وكشفت له عن الحقيقة : أن نسيان الله ليس عمل العقل ، ولكنه عمل الغفلة والأمن وطول السلامة .

(وحي القلم يحمل في طياته عصارة فكر وثقافة الرجل، كما يشمل أيضا أنماطا متعددة من القدرات الفنية والأسلوبية للكاتب، فهو جامع بين الخطابة والتاريخ والمقالة، والقصة وغيرها من أنماط السرد الأدبي التي توسعت بعد ذلك ومهدت للأدب النثري وفتحت له الطريق سالكة إلى الإبداع والعالمية). والرافعي يكتب بقلب يتذوق الجمال ويستشفه في كل ما يكتب ، وإذا كتب عن الجمال في المرأة فإنه يكتب عن أرقى معنى له ذلك الذي يتجاوز اثارة الغريزة الجسدية أو النظرة بعين مراهق لا يرى الجمال إلا في شهوته وما يثيرها ولكنه يرى هذا الجمال كجزء من كتاب الكون الكبير المفتوح والذي يدعوك كل ما فيه من جمال وعظمة إلى الإيمان بالله الخالق المبدع تبارك الله أحسن الخالقين ..

يقول وهو يتحدث عن البحر : وللربيع المائي طيوره المغردة وفراشه المتنقل .. أما طيوره فنساء يتضاحكن ، وأما الفراش فأطفال يتواثبون .

نساء إذا انغمسن في البحر خيل إلي أن الأمواج تتخاصم على بعضهن . " قبل أكثر من عشرين عاما كنت في مطلع شبابي وبدأت أقرأ في كتاب " وحي القلم " للرافعي ـ رحمة الله تغشاه ـ لشهرته التي ملأت الآفاق وثناء الجميع عليه ، ولكني حينها كنت أستوعب بعض المعاني وأفهمها وأقرأ فقرات وربما سطورا ولا أفهم مراده منها ، وجدت فيه بعض الغموض ، ولغة راقية لم أصل إليها ، ثم تركت القراءة فيه ، ومضت سنوات من عمري ، وعدت إليه وأنا في الثلاثين من عمري فوجدت فيه دررا وجواهر لم أجدها في الماضي ، وبدأت أفتح أبواب معانيه العميقة وأعانق أفكاره السامية ، وأتذوق حلاوتها وأتمتع بسحر أسلوبه المتفرد في الكتابة ، ثم عدت إليه الآن وقد زاد عمري عن الأربعين فوجدته بحرا مليئا بالأصداف والجواهر واللآلئ وهذا لا يكون في كل كتاب ولكنه من سحر تفرد به " وحي القلم " وهو من شواهد عظمته وروعته فكلما قرأت فيه كلما وجدت معاني وأفكار جديدة ، وكلما عدت إليه كلما باح لك بأسراره وأضاء لك من أنواره وأخرج لك من كنوزه ما يجعلك تعود بغنيمة وافرة لم تكن قد ظفرت بها في الماضي .

قرأت الكثير من الكتب فلم أجد مثل لغة الرافعي المتفردة الراقية المحلقة في أفق من الجمال والروعة التي لا مثيل لها ، كيف لا وقد أقتبسها من القرآن فهو من عاش " تحت راية القرآن " ومن كتب وأبدع وأجاد وأفاد في الحديث عن بلاغة القرآن فقد (بدأ الرافعي حياته مع القرآن الكريم، فقد ختمها أيضا معه، حيث كان القرآن الكريم آخر عهد له بالقراءة التي هي شغفه الأول والأخير، كما كان آخر عهد له أيضا بالحياة التي عاش فيها مسافرا على أجنحة الإبداع، أو متبتلا تحت ظلال وحي القلم). ومما يؤثر في دفاعه عن لغة القرآن قوله عن نفسه "إنّه يُخيل إليّ دائما أنّي رسول لغوي بُعثت للدفاع عن القرآن ولغته وبيانه، فأنا أبدا في موقف الجيش تحت السلاح". كم أدهشني ذلك العمق الذي في كلماته وكم أطربني أسلوبه الساحر المتدفق مثل نهر من العسل المصفى ، وكم بهرني أسلوبه وهو يغوص في أعماق النفس البشرية (ورغم ما أودع الرجل في كتابه من تاريخ وعمق تحليلي وقراءة واعية للتراث العربي بمختلف مجالاته الثقافية والأدبية والدينية، فإنه كان بالنسبة له أقل من المرغوب ودون ما كان يروم، إذ يقول "لا أقول إنّي أتيت منه على آخر الإرادة، ولا أعزم أنّي أوفيتُ الإفادة)".

في وحي القلم يحدثك الرافعي بمناجاة بديعة وشعور صادق عن خبايا النفس وخفايا القلب وتقلبات العواطف وأسبابها ويفلسفها ويفككها ويكشف لك أسرارها ويخرج لك أخبارها وكأنه قد أصطلي بنارها فكتب كتابة من عانى وكابد الأشواق وأحب وسهر الليالي وجرب الهيام وأصابه الشغف وأشرف على التلف .!

ودعني ألقي إليك بعض درره لتتأملها وهي تضيء وتشرق بمعاني مدهشة وأفكارا بديعة ، يقول " الفجر لا يوقظ العيون من أحلامها ، أنه من يوقظ الروح لأحلامها " ، ويقول " إن السرور ما هو إلا تنبه معاني الطبيعة في القلب " و يقول وهو يتحدث عن الربيع " الحياة إذا أنت لم تفسدها جاءتك دائما هداياها " " في الربيع تظهر ألوان الأرض على الأرض ، وألوان النفس على النفس " و " ليس العيد إلا إشعارا لهذه الأمة بأن فيها قوة تغيير الأيام ، لا إشعارها بأن الأيام تتغير " .

ويقول وهو يخاطب البحر " وإذا ركبك الملحد أيها البحر فرجفت من تحته ، وهدرت عليه وثرت به ، وأريته رأي العين كانه بين سماءين ستنطبق أحداهما على الأخرى فتقفلان عليه ، رأيته يتطأطأ ويتواضع ، كأنك تهزه وتهز أفكاره معاً ، وتدحرجه وتدحرجها . وأطرت كل ما في عقله فيلجأ إلى الله بعقل طفل .

وكشفت له عن الحقيقة : أن نسيان الله ليس عمل العقل ، ولكنه عمل الغفلة والأمن وطول السلامة . (وحي القلم يحمل في طياته عصارة فكر وثقافة الرجل، كما يشمل أيضا أنماطا متعددة من القدرات الفنية والأسلوبية للكاتب، فهو جامع بين الخطابة والتاريخ والمقالة، والقصة وغيرها من أنماط السرد الأدبي التي توسعت بعد ذلك ومهدت للأدب النثري وفتحت له الطريق سالكة إلى الإبداع والعالمية). والرافعي يكتب بقلب يتذوق الجمال ويستشفه في كل ما يكتب ، وإذا كتب عن الجمال في المرأة فإنه يكتب عن أرقى معنى له ذلك الذي يتجاوز اثارة الغريزة الجسدية أو النظرة بعين مراهق لا يرى الجمال إلا في شهوته وما يثيرها ولكنه يرى هذا الجمال كجزء من كتاب الكون الكبير المفتوح والذي يدعوك كل ما فيه من جمال وعظمة إلى الإيمان بالله الخالق المبدع تبارك الله أحسن الخالقين ..

يقول وهو يتحدث عن البحر : وللربيع المائي طيوره المغردة وفراشه المتنقل .. أما طيوره فنساء يتضاحكن ، وأما الفراش فأطفال يتواثبون . نساء إذا انغمسن في البحر خيل إلي أن الأمواج تتخاصم على بعضهن .

 

رأيت منهن زهراء فاتنة قد جلست على الرمل جلسة حواء قبل اختراع الثياب ، فقال البحر : يا إلهي لقد أنتقل معنى الغرق إلى الشاطئ ..!

ويضيف " إن الغريق من غرق في موجة الرمل هذه " .

فالحب عن الرافعي ( لفظ وهمي موضوع على أضداد مختلفة: على بركان وروضة ، وعلى سماء وأرض، وعلى بكاء وضحك، وعلى هموم كثيرة كلها هموم، وعلى أفراح قليلة ليست كلها أفراحا"، وإذا ماست به مائسة من شوق وأمل من وصال رأى في الحب "امتزاج نفسين بكل ما فيهما من الحقائق، حتى قال بعضهم: "لا يصلحُ الحبُّ بين اثنين إلا إذا أمكنَ لأحدِهما أن يقول للآخر: يا أنا".

فبأي آلاء الحب يحكم القاضي العاشق، وإلى أي ضفتيه يميل، يضج مرة أخرى صوت المتنبي في أعماق الأديب الأصم وهو يردد: وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربه وفي الهجر فهو الدهر يرجو ويتقى والحب عند الرافعي لا ينفك عن الجمال، فهما صنوان متكاملان وروح حلت جسدين أو هما في اللفظ والمعنى على سواء من الترادف والتكامل).

عودوا إلى " وحي القلم " ستجدونه البحر فيه الدرر والكنوز ، ستغرقون في جماله وروعته ولن تغادروه إلى شاطئ الكتب الأخرى .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة : العبارات التي وردت بين قوسين ( ) مقتبسة من فيلم وثائقي عن الرافعي بثته الجزيرة الوثائقية .

مشاهدة المزيد