عن طارق والمعركة
بقلم/ د.مروان الغفوري
نشر منذ: شهر و 25 يوماً
السبت 13 مارس - آذار 2021 06:40 م
 

من الصعب الدفاع عن موقف طارق عفاش، الآن وأمس. غير أنه من الممكن فهم موقفه والتعاطف معه.

يملك طارق قوة كبيرة (بحسب ما ينشر). الإمارات هي من خلقت له الجيش، وهي من ينفق عليه ويزوده بالآلة.. أي: هي صاحب القرار الأخير (هنا حلت الإمارات محل وزارة الدفاع) ..

الجيش نفسه جمهوري، وإن كان جمهوريا على طريقته. أفراده وقياداته يمنيون رأوا دولتهم وهي تتلاشى وتذوب، وعاينوا حقا عودة الإمامية وصعودها.

من الأفضل أن نطالب وزارة الدفاع بدفع رواتب ذلك الجيش والحوار معه، كمقدمة لتحريره من مأزقه. انحشر جيش طارق في ورطة، فهو يرى حليفته تبني جيوشا في الجنوب على النقيض من مدونته القتالية، ويعلم جيدا أن مشروع الانفصال الذي تحرص عليه الإمارات (لأنه سيطلق يديها على السواحل والبحار والجزر بلا حسيب، كقوة استعمارية جديدة) هو خطر وجودي بالنسبة لجيشه الصغير، وأنه لا يمكنه أن يكمل حياته حاميا للبحر من أجل قوة خلف الأفق.

لقد رأى الإمارات وهي تضرب بطيرانها الجيش اليمني في أبين عندما عارض نواياها علنا. وسمع عن الوساطات التي تجري هنا وهناك بين "بن عديو" والإمارات من أجل استعادة عشر مدرعات خسرتها الأخيرة في شبوة في مواجهة مع العوالق والسلطات المحلية. إذا استغنت الإمارات عن شيء فإنها تعدمه كليا. في الأيام الماضية استغنت عن القاعدة الإريتيرية، ثم وهي تغادر دمرت حتى المباني كما ظهر في الصور الجوية. لم تترك للبلد المستضيف حتى الحجارة أو الرصيف.

ملحوظة: من المتوقع أن تتسلم الإمارات مدرعاتها العشر بعد أن التزمت السعودية لبن عديو بمنحه مدرعات وأطقم عسكرية كبديل.

اللغة التي تحدث بها وفد الساحل في مأرب كانت واضحة ومنكسرة، ثم "تولوا وأعينهم تفيض من الدمع". في الساحل ضباط يمنيون حبسهم العذر. ومن الجيد لو يعمل الحر والمتخفف من القيود على تحرير المكبل، وفتح الطرق أمامه. كان الترتيب الإماراتي يقتضي دخول مأرب في الحلبة الحوثية، ثم الدخول في حقبة مستدامة من السلام روج لها إعلام الإمارات والممول إماراتيا: يمن عام وهلامي مقسوم إلى يمنيين، يقع أحدهما في قبضتها. قال إيرلو للقيادات الحوثيون وهو يشرح الأهمية الاستراتيجية لمعركة مأرب: ستبقى أمامنا معركة الساحل، وما بعد ذلك أمره يسير. لمعركة الساحل كانوا قد جهزوا مئات الطائرات المسيرة التي بمقدورها تغيير القواعد في المناطق المكشوفة.

هذه ليست حسبة طارق، ولا يمكنها أن تكون معركته. طارق يريد العودة إلى قريته، يريد دخولا دراميا على طريقة الفاتحين. أدرك ضباطه وإعلاميوه خطورة التعقيدات التي أداروا لها الظهر سابقا. التكتيك لا يغني عن الاستراتيحيا ولا يحل مطرحها. في مكان ما سيتصادمان، وهذا ما يحدث. إن ورطته لا تقل سوءا عن ورطة مأرب التي دعي للدفاع عنها.

غير أن مأرب تخففت الآن، صارت طليقة أكثر من أي وقت مضى.

على الساحل جيش جمهوري محترف، لكنه رهينة. الجيش في مأرب أيضا رهينة وإن بدرجة أقل. فقد كان جنرالات المقدشي يرفعون تقارير معادية ضده إلى الضباط السعوديين، وكان "تركي" يحدد أسماء القادة الذين سيسمح لهم بالمشاركة في هذه المعركة أو تلك. لست متحمسا للمقدشي، بالمرة، ولكن ذلك ما كان يحدث وقد سئلت في مرة إن كنت مصدر المعلومات التي رفعها الجنرال هاشم ضد قائده إلى "الكفيل العسكري" للجيش اليمني. كل ما في البلاد رهينة، وفيما يبدو فإن اليمنيين يقاتلون هذه الأيام لأول مرة. لم يكونوا قط أحرارا وطليقين مثل الآن. لقد حررتهم مأرب من أشياء كثيرة، ومنحتهم الضوء الأخضر.

هناك دائما شيء فاسد في الدنمرك، كما يقول شكسبير. وقد كان الجيش اليمني الواقف في فرضة نهم يردد القول إنه قادر على اقتحام صنعاء متى ما منحه التحالف الضوء الأخضر. ليس من الجيد نسيان كل ذلك.

طارق في ورطة، فالتسوية التي تقترحها الإمارات على أميركا تراعي مصالح أبو ظبي قبل أي شيء. أن ترسم علاقة إدارية ذات طبيعة سياسية بين اليمنات الثلاث: يمن الحوثي، يمن الزبيدي، ويمن هادي، فيما إذا عجز الحوثيون في مأرب . ليس لطارق محل في أي منها، وسيجد نفسه يقود جيشا بلا معركة ولا وجهة. كما سيجد الضباط أنفسهم، وهم محترفون وجمهوريون، عالقين في اللامكان ويتحركون بلا مدونة ويؤدون حركة الصباح وهم لا يعلمون لماذا.

في الأشهر الماضية كانت الإمارات قد اخترعت له معركة أسمتها معركة الإخوان في تعز. مجرد معركة وهمية لتشاغل أسئلته العسكرية الوجودية: من نحن، وأين نريد، ولماذا نحن هنا؟

الضابط الجمهوري طارق، وأنا معجب جدا بخطاباته ولغته، في ورطة، وعلى الجمهورية التي تطلب منه الهبة أن ترى ورطته وتلقي إليه بحبل.

شيئان لن يتورط فيهما طارق، بحسب تقديري: أن يساند الانفصال، او يعود إلى الإمامية. هذه الحقيقة تجعل منه رفيق سلاح لأي ضابط جمهوري في أي مكان في اليمن. هادي ليس الجمهورية ولا هو الدولة، هو مجرد موظف كبير، قليل الموهبة، وإذا دخل في أي حوار أو تفاوض فإنه ينكب كل من ينتظرون خلف الباب. ومع ذلك فقد أصدر طارق بيانا في مطلع حرب مأرب اعترف فيه بالشرعية، وتحرك إعلامه دفاعا عن مأرب والجمهورية، ولو كانت ظروفه أفضل لتحركت قواته من تلقاء نفسها.

إن كان طارق رهينة فالرئيس المنتخب أيضا رهينة. ما إن هاتفه بن سلمان طالبا منه الموافقة على اتفاق السويد لم يتأخر. كان بن سلمان يعايش الأيام الخاشوقجية الأولى، وقد حصل على وعد بالمديح في مبنى الأمم المتحدة إن هو أوقف حرب الحديدة. الرهينة هادي وافق على الفور.

كان من نتيجة قرار هادي آنذاك أن قدرة الحوثي العسكرية تعملقت أكثر، وتأكدت دولته أبعد. بحسب رسالة من ضابط رفيع من المنطقة الخامسة، أمس، فإن ترسانة الحوثي الراهنة من الصواريخ الموجهة (الحرارية) لا يمكن مقارنتها بالحال قبل عامين، لا كما ولا نوعا.

الرهينة هادي سيوقف الحرب وفقا للتدبير السعودي. الورطة نفسها وقع فيها طارق مع التدبير الإماراتي، فمن يملك العملة يملك الوجهين. وهي ورطة الانتقالي الذي يذهب إلى أبو ظبي انفصاليا ويعود وزيرا في دولة أجنبية اسمها اليمن.

كل هذه الفوضى لن تنتهي من تلقاء نفسها، وليس من الجيد توزيع الفوضى إلى خير وشر. تحرير الأرض ليست مهمة على عاتق موظفين بيروقراطيين. النفير العام في كل مكان وحده كفيل باستعادة المفقود، أن تخص المعركة كل شخص، فالدولة ليست نافلة، والبلدان ليست قصصا مسلية، والرهائن سيصلون في الوقت المناسب إن تحرك الطليقون والأحرار. فلم يحم بغداد من جحافل المأمون سوى السجناء الذين فتحت أبوابهم فجأة وصنعوا واحدة من أعظم المعارك.

 

لا تنتظروا طارق فسوف يتأخر قليلا أو كثيرا، ولكنه سيأتي وسيحمل على كتفيه الأشياء. فالطريق الذي أنتم ماضون فيه هو طريقه الوحيد، يعلم ذلك ويعلم أكثر المأزق الذي صار إليه بفعل التدبير الإماراتي الذي لا تعنيه جمهورية اليمنيين في شيء.

السرديات الكبرى إذا انهارت يصعب إصلاحها، ولكنه لا يستحيل.

ولتكن جمهورية بمن حضر..