الإصلاح من زاوية أخرى
بقلم/ د . خالد عجلان
نشر منذ: شهر
الأحد 15 سبتمبر-أيلول 2019 06:35 م
 

مع حلول الذكرى التاسعة والعشرون لتأسيس التجمع اليمني للإصلاح يكون قد مضى على تجربة الحزب السياسية ثلاثة عقود من الزمن.

وهي مدة كافية لاستقراء خارطة أدائه، وسبر أغوار أهدافه وقيمه وغاياته.

سيكتب عنه بهذه المناسبة الكثير ما بين مادح وقادح، وما بين محب وناصح، وفي نهاية المطاف فأداء الإصلاح شأنه شأن أي فعل بشري يصيب ويخطئ، وينجح ويخفق.

لكن الملفت أن هذه المناسبة تأتي في ظل حملات تحريضية شرسة ضده تجاوزت حدود الجغرافيا الوطنية، وهي حملات لا تقل عن شراسة معارك الميدان التي يخوضها مع شرفاء الوطن لاستعادة الدولة والجمهورية.

هذه الحملات يشارك فيها خصوم ظاهرون وآخرون مستترون من ذوي الإحن الذين لم تطّهر عقولهم وقلوبهم نكبات السنوات السالفة من أدران الحقد والغيرة السياسية.

ليس ثمة مشكلة في النقد الموضوعي المنطلق من قول الحق سبحانه: وإذا قلتم فاعدلوا؛ لكن الملاحظ بأنها حملات تسعى لقلب الحقائق وتظليل الناس، ولو اتسمت بحد أدنى من الإنصاف لأسهمت بصناعة ثقافة سياسية ناضجة، تخدم الوطن والإقليم اليوم.

وإسهاما في البيان وقت الحاجة -وإن لم أكن مخولا باسمه، لكنها أمانة الكلمة- أجد من المهم بيان بعض الجوانب التي لا تتعلق بنضال وتضحيات الحزب؛ فهذه صارت جزءً من تاريخ يشهد به القاصي والداني، ولا يمكن أن تمحى من سجلات التاريخ بزفرات حاقد هنا ومتخرص هناك.

بل تتناول جملة من المبادئ والقيم السياسية التي تميز بها الحزب، نال بها ثقة الشريحة الوطنية العريضة داخل الشارع اليمني وشرفاء الخارج، وصنعت منه كيانا وطنيا يقف بصلابة فريدة في وجه أعاصير التآمر والمكر، بل كان فيها وبها الرائد الذي لا يكذب أهله، ومن أبرزها:

1- تجاوز عقدة العصبوية

فلم ينشأ على أسس مناطقية أو مذهبية، ولا يعترف بأي فوارق أو امتيازات تقوم على أساس النسب أو المذهب أو المنطقة أو المهنة، ولذا تجد تحت مظلته التنظيمية كل شرائح المجتمع من شرق اليمن إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه، فالناس فيه سواسية كأسنان المشط لا سيد ولا مسود، ولا تفرقهم عنصرية أو عصبية مقيتة، بل التغني بأي عصبية كانت يُعد اقترافا لإحدى نواقض الانتماء.

2- إعلاء ثقافة الانتماء للدولة والمحافظة على كيانها

 الدولة بمفهومها الصحيح "مؤسسات لا أشخاص"، فلقد مر الإصلاح بمحطات تاريخية هامة أثبت فيها حرصه الكبير على بناء الدولة اليمنية والمحافظة عليها، فيوم دخوله ائتلاف ٩٣م كان نموذجا للحرص على بناء الدولة، وحين غادرها في ٩٧ كان لترسيخ ذلك البناء.

وفي ثورة فبراير تعالت أصوات نشاز تنادي بالتهجم على مؤسسات الدولة والاستيلاء عليها، فكان موقف الإصلاح واضحا وقويا، أن المشكلة مع رأس النظام وليست مع الدولة ومؤسساتها.

وحين حدثت مؤامرة وانقلاب ٢٠١٤م عمل بكل طاقته على استعادة الدولة والمحافظة على مكوناتها ومؤسساتها، وبذل وما زال يبـذل في سبيل ذلك أعظم التضحيات.

3- ثبات الموقف والمبدأ

فلا تذبذب ولا تعدد في المواقف، بل رؤية واحدة ومبدأ واحد مع مختلف القضايا الوطنية وفي مختلف محطات النضال.

لا وجود لأجنحة متعددة ولافتات متنوعة، يتوزع من خلالها الأدوار مثل غيره، فيضع رجلا هنا ورجلا هناك، بل الحزب من القمة وحتى أدنى القاعدة على كلمة رجل واحد، وموقفه الواضح اليوم من قضيتي الانقلاب والوحدة سواء من كانوا في صنعاء أو عدن أو في الرياض أو مأرب أو حضرموت دليل على ذلك.

4- الإيمان بحرية الرأي والتعبير

فلا أظن أن هناك مكونا سياسيا تتعدد فيه وجهات النظر وعبارات النقد والتقييم سرا وعلانية كما هو في تجمع الإصلاح، حتى ليُخيل للناظر أن الناقدين لحزبهم قد صاروا كتلة كبيرة خارج بنية الحزب وتكويناته، وما علمو أنها المبادئ والقيم التي آمن بها الحزب وغرسها في نفوس أعضائه ومناصريه جعلتهم على ذلك المستوى من النضج السياسي، وهو وإن لم يكن المدينة الفاضلة؛ إلا أنه يظل متقدما على من سواه.

5- انتهاج السلمية ونبذ العنف

فرغم محاولة جره إلى مربع العنف الآسن، وتكرار المحاولات السمجة لنعته بالعنف والتطرف، إلا أن ممارسات الحزب وسلوكه تُعد الأنضج بين مختلف المكونات، تردهم على أعقابهم خائبين.

 ورغم أنه قد تهيأ للحزب من القدرات والفرص المتعددة ما يدفعه لتحقيق الأهداف والمكاسب أو الوصول للحكم عن طريق العنف - والتي لو أتيحت هذه الفرص للغير؛ لأدخل اليمن في حروب طاحنة منذ عقود كما حصل في صعدة ويحصل اليوم- إلا أنه جعل شعار النضال السلمي طريقنا للإصلاح الشامل منهجا وطريقا.

هذه القيم وغيرها هي من صنعت أجيالا صارت الصخرة التي تتفتت على صلابتها مؤامرات أعداء اليمن اليوم.

و لك أن تصور كيف كان الحال لو خلى اليمن اليوم من هذا الكيان.

نجدها فرصة لدعوة القارئ والجمهور لعقد مقارنة سريعة لهذه القيم بين مختلف الكيانات السياسة، ليدرك كم نحن بحاجة إلى التنافس فيها -لا في المكر والتآمر على بعض- إن أردنا الوصول بالوطن إلى بر الأمان.