ورشة المنامة شكراً
بقلم/ إحسان الفقيه
نشر منذ: 5 أشهر و 6 أيام
الإثنين 01 يوليو-تموز 2019 06:27 م
 

«لابد من إدماج العرب في المشروع الصهيوني وتوظيفهم لخدمته، وهذا ممكن من خلال التعامل السياسي (وليس العسكري) مع العرب؛ لأنهم قوم لا يتحلون بالمثابرة والصبر والدأب، وسرعان ما يدب فيهم الملل والضجر والاختلاف، ويسلمون أمورهم حتى لأعدائهم في سبيل الغلبة في معاركهم وخلافاتهم الداخلية».

هكذا أطلقها الجنرال هركابي المنسق العام السابق لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، الأب الروحي لرابين وبيريز وباراك وغيرهم من القادة الإسرائيليين، مُلخِّصًا حال العرب في التعامل مع أعدائهم، وسهولة اصطيادهم بشباك التطبيع، حتى تنتقل القضية الفلسطينية من كونها قضية مركزية في الأمة، إلى كونها شأنا فلسطينيا داخليا، لا ناقة للعرب في أزمتها ولا جمل.

ولما كنا قصيري النفس كثيري الملل والضجر، كما وصفنا هركابي، سهل عليهم أن يمارسوا علينا أدوارا مختلفة في مسيرة التطبيع، فكان قضم الأراضي الفلسطينية وانتظار هضمها، ثم الاتصالات السرية مع حكام العرب، التي لم تستغرق طويلا حتى ظهرت للعلن، ومن بعده مشروع شيمون بيريز بتكوين رابطة شرق أوسطية لدول المنطقة، لنبذ الإسلام والعروبة، مؤكدا على ضرورة تبني المنطقة مواقف تؤهلها للاندماج مع العالم الجديد، ومناديًا في العرب بتطبيق سياسة اقتصاد السوق، التي يقيدها الكيان الصهيوني ذاته، بهدف سيطرة الصهيونية على اقتصاديات العرب، وكان النواة للمشروع الأمريكي «الشرق الأوسط الكبير، ذلك المشروع الاقتصادي في ظاهره، السياسي بغطاء اقتصادي في حقيقته، سعى لإقصاء الأمن القومي العربي، وإحلال أمن إقليمي يضمن التطبيع مع العدو الصهيوني.

لما وصل التطبيع ذروته، ودخلت صفقة القرن حيز التنفيذ العلني، وقام كلٌّ بالدور الذي رُسم له، مدّ ترامب عن طريق صهره كوشنر المظلة الاقتصادية على القضية الفلسطينية، لتمرير الأهداف السياسية الصهيونية، من خلال ورشة المنامة، التي جاء اسمها مناسبا تمامًا لحالة العرب، فهم في منامةٍ غارقون، وكأنهم الذين عناهم أبو العتاهية بقوله:

دارٌ يُريدُ الدّهْرُ نُقْلَةَ أهْلِهَا …… وكأنَّهُمْ عمَّا يُرادُ بهمْ نِيامْ

جاءت ورشة المنامة تتويجا لعقود جرى فيها التطبيع ليجنيه الصهاينة مجانًا من حكام العرب، فشهدنا وزير الخارجية البحريني يصرح على هامش الورشة لصحيفة إسرائيلية بأن إسرائيل وُجدت لتبقى، وأن لها الحق في أن تعيش داخل حدود آمنة، وأن بلاده ودولا عربية أخرى تريد التطبيع معها. إن هذا الكلام يصلح أن يُقال في مؤتمر لدعم الكيان الإسرائيلي اللقيط، تحت عنوان «من النيل إلى الفرات أرضك يا إسرائيل»، وليس في ورشة يفترض أنها تتعلق بالتنمية الاقتصادية لشعب فلسطين كجزء من مبادرة أمريكية مزعومة لحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي. تذكرت ما حكاه القرآن الكريم عن صفقة بيع نبي الله يوسف عليه السلام «وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ»، فكذلك كانت صفقة المنامة الشق الاقتصادي للخطة الأمريكية في الشرق الأوسط بقيادة كوشنر، الذي يهدف إلى جمع استثمارات بخمسين مليار دولار على مدى عشرة أعوام للتنمية الاقتصادية في فلسطين.

 خمسون مليارا فقط هي سعر بيع فلسطين، وأستعير هنا قول أحدهم، إن العرب باعوا فلسطين بخمسين مليارا على مدى عشرة أعوام، بينما ترامب حصد في أقل من ثلاثين ساعة في الرياض 450 مليار دولار لبلاده. استضافة البحرين لتلك المسرحية الهزلية ومشاركة الدول العربية فيها، خزي وعار وإعلان صريح بقبول التطبيع، خاصة الدول التي عهدناها داعمة للقضية الفلسطينية، فالملف الفلسطيني هو الأكثر حساسية، ولا تصح فيه المواقف المُميّعَة. لقد كانت أبرز دلائل هزلية هذه الورشة وتبعية المشاركين لأوامر ترامب، إنها تمت في غياب الطرف الفلسطيني المقاطع لها والرافض لانعقادها، لأنه لا يمكن الحديث عن الجانب الاقتصادي قبل التطرق إلى الحلول السياسية الممكنة لجوهر النزاع، فكيف يقبل حكام العرب المشاركة في مؤتمر يرفضه أصحاب الشأن؟

ومن بين تلك الظلمة بدت مبشرات ونواحٍ إيجابية سيكون من الإجحاف تجاهلها، فأولها ذلك الرفض الإسلامي والعربي الواسع على مستوى الشعوب ونخبها الثقافية والسياسية والدينية والفكرية، التي أظهرت وعيًا غير متوقع تجاه صفقة القرن، وكل ما يتعلق بها من أدوات وإجراءات تمهيدية وتحضيرية ، فقد عبرت الشعوب عن مركزية القضية الفلسطينية ورفضها للتطبيع، وبرزت الهوة العميقة بينها وبين سياسات الحكام الرامية إليه، فلا أدل على ذلك من المظاهرات الرافضة التي اندلعت في العديد من البلدان، وحتى الشعب البحريني الذي استضافت حكومته الورشة، أبدت الغالبية العظمى منه رفضها القطعي، وعلقوا الأعلام الفلسطينية على المنازل دعما للفلسطينيين. موقف الشعوب الداعمة للأشقاء الفلسطينيين قوة دفع هائلة لأصحاب الأرض لمواصلة العمل على نيل حقوقهم المسلوبة وعدم الرضا بالدنيّة.

ومن أبرز المواقف الإيجابية التي ينبغي تسليط الضوء عليها، اتخاذ الحكومة الكويتية قرارًا بعدم المشاركة في ورشة المنامة بناء على إجماع مجلس الأمة، فالكويت أضافت إلى رصيدها المشرف بوقفة جادة، ظهرت في قرار مجلس الأمة الكويتي وتصريحات نائب وزير الخارجية خالد الجار الله، بأن هناك ثوابت كويتية للتعامل مع القضية الفلسطينية، في مقدمتها عدم التطبيع مع إسرائيل ما لم تتحقق استحقاقات أساسية تلبي مطالب وهموم الشعب الفلسطيني، مشيرا إلى أن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية الأولى للأمة العربية. ونحن إذ نثمن الموقف الكويتي، فإننا نشيد كذلك بتجربته الديمقراطية الرائدة من بين دول المجلس، التي أثمرت ذلك القرار المُجمع عليه من البرلمان والتزمت به الحكومة الكويتية. أثار انتباهي الرفض الشعبي القطري الشديد لورشة المنامة، رغم التمثيل الحكومي فيها، ذلك الرفض الواسع شمل الإعلام القطري وعلى رأسه قناة «الجزيرة»، فبرنامج مثل «فوق السلطة» يستهل الحديث عن الورشة بتوجيه اللوم لقطر الحاضنة للقناة بقوله «حتى أنت يا قطر؟». ومجموعة «شباب قطر» نشرت بيانا عبرت فيه عن استيائها ورفضها لمشاركة قطر بوفد يترأسه وزير المالية علي العمادي ووصفتها بالمخزية، وقالت إن قطر ودولا أخرى لم تكتف بالتطبيع بل تجاوزت ذلك لتمكين الكيان الصهيوني من سلب المزيد من الحقوق الفلسطينية. والإعلامي القطري جابر الحرمي قالها بملء الفم: «نرفض مشاركة قطر في ورشة المنامة»، معتبرًا أنها ورشة سياسية لتصفية القضية الفلسطينية بغطاء اقتصادي. الشيء الإيجابي ليس رفض القطريين فقط، بل مساحة الحرية غير المألوفة في الوطن العربي، التي رأينا القطريين يتمتعون بها، فلم نسمع عن حملات اعتقال واسعة لمعارضة القرار الرسمي، على غرار ما حدث في مصر إبان مشكلة جزيرتي تيران وصنافير، بل عبر الشعب عن رفضه بكل حرية، وهو أمرٌ يستحق الإشادة، بصرف النظر عن تحليلات البعض التي تتجه إلى كونها توزيع أدوار بين الحكومة ومؤسساتها ونخبها. رغم كل ما حدث فإن رد الفعل الإسلامي والعربي كان مشرفًا يجعلنا نتنفس الصعداء، ونقول بأن الأمة لا تزال قلوبها تنبض بحب فلسطين، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.