كيف ولماذا سقط عفاش؟
بقلم/ منير العمري
نشر منذ: أسبوع و 4 أيام و 8 ساعات
الثلاثاء 04 ديسمبر-كانون الأول 2018 05:30 م
 

إنتهى التحالف الحوثعفاشي قبل عام من اليوم إلى حرب شوارع عنيفة في العاصمة صنعاء وبالأخص في مربع الحي السياسي وبعض أحياء حدة ومنها شارع الخمسين وإنتهت بعد أقل من 48 ساعة بمقتل الرئيس السابق عفاش نفسه وإحكام مليشيا الحوثي الإمامية سيطرتها الكاملة وقبضتها الحديدية على المدينة وباقي المحافظات.

لم يفاجىء ما حصل الكثير من المراقبين والمتتبعين للشأن السياسي اليمني، لأنهم كانوا يعرفون سلفاً بأن الأمد لن يطول بهذا التحالف الهش وأن عفاش هو الحلقة الأضعف فيه، لكن الأمر كان مفاجئا لأتباعه ومريديه الذين صدموا صدمة عظيمة حين علموا بمقتله علي يد حلفاء اليوم وأعداء الأمس، الحوثيين، وخاصة وأنهم – أي أتباعه – كانوا يمنون أنفسهم بأن لديه بقايا قوة وبأن الرجل الذي حكم اليمن لأكثر من ثلاثة عقود لن يسقط بسهولة ومن المؤكد بأن جعبته ما زالت تحوي الكثير من الحيل.

وبعد مقتله وسقوط العاصمة كاملة ومعها منازل عفاش وأقاربه وجامع الصالح ومعكسر ريمة حميد بيد مليشيا الحوثي تسائل الناس كيف سقط عفاش ولماذا سقط؟

سأحاول في السطور التالية التصدي لهذا السؤال وإيجاز الأسباب الرئيسية التي أدت لسقوط عفاش ومقتله.

-       سقط عفاش لأنه ببساطة بنى حوله شبكة هلامية من المرتزقة والإنتهازيين وشيوخ القبائل الذين يحضرون في المغانم ويغيبون في المغارم.

-       وسقط أيضاً لأنه سلم مفاتيح القوة كلها للحوثيين وعلى وجه الخصوص الجيش والمال وبدرجة أقل الإعلام. تسليم هذه المفاتيح ومعها الوظيفة العامة سمح للحوثيين بالعمل بأريحية كاملة وبالذات في المحافظات الشمالية التي سلمها أتباعه على طبق من ذهب بأوامر مباشرة منه، وعملوا خلالها على نسج علاقاتهم الخاصة وبناء شبكات مصالح عبر المال والنفوذ والوظائف، كما عملوا بدأب على تغيير ولاء أتباع عفاش بالترغيب والترهيب وغسل أدمغة الشباب والأطفال. حدثني أحد المقربين من أحد القيادات الميدانية للحوثيين والذي كان يعمل سابقاً في القوات الخاصة بأن كتائب القوات الخاصة، وهي من القوات التي تدين بالولاء الكامل لصالح وإبنه شأنها شأن وحدات الحرس الجمهوري، كانت ترسل إلى صعدة كل أسبوع لحضور دورات ثقافية وتعبوية على يد متخصصين وخبراء من حزب الله.

-       تأخر عفاش كثيرا في مسألة فك إرتباط المؤتمر بالحوثية الإمامية وكانت الذكرى الخامسة والثلاثين لتأسيس المؤتمر الشعبي العام التي صادفت الـ 24 أغسطس 2017م هي أخر الفرص التي أتيحت له، فكان أن ضيعها كما ضيع قبلها عديد الفرص.

-       وحتى حين قرر المواجهة دفاعاً عن نفسه وعن منازله وحفاظاً على ماء وجهه الذي أريق في مناسبات عديدة، وجد الرجل نفسه وحيداً بلا أهل ولا أصدقاء ولا جيش، إلا من ثلة قليلة من حرسه الخاص.

-       خلال ثلاثة أعوام، تماهى عفاش، وإن مضطراً، مع حكاية مواجهة العطوان، وهي فترة ليست بالقليلة، وهو ما سمح لمليشيا الحوثي الإرهابية في كسب ولاء الكثير تحت نفس اليافطة أو تحييد من رفض التعامل أو التعاون معهم وكذا إرهاقهم مادياً ومعنوياً بعد إمتناع المليشيا عن دفع الرواتب وإفتعال الإزمات ورفع أسعار المشتقات النقطية وغاز الطهي.

-       لقد كان عفاش في الحقيقة معزولاً عن قواعد حزبه وكان ومن معه بلا غرفة عمليات وصفهم مخترق. ولم يكن من وجود لأي تنسيق مع القواعد والفروع والقيادات على مستوى المحافظات والمديريات حين أعلن عفاش الإنتفاضة، وحتى من كانوا على استعداد للقتال معه لم يجدوا مصاريف السفر إلى صنعاء، في حين ذهبت الأموال التي وزعها لشلة من مشائخ الطوق والإنتهازيين الذين لهفوها وحين حصص الحق أغلقوا جوالاتهم.

-       عملياً، بدأت أعداد أصدقاء الرجل تقل منذ ما قبل العام 2011م، وقَلت أكثر خلال ذلك العام، كما تناقصت أيضاً أعداد أتباعه ومؤيديه كثيراً بعد الـ 21 من سبتمبر من عام 2014م عندما تحالف مع أحفاد الإمامة وسمح لهم بالإنقضاض على الجمهورية، ووجه إتباعه في المعسكرات ومؤسسات الدولة بتسليمها لهم إنتقاما من خصومه الجمهوريين.

-       بعد سقوط العاصمة صنعاء في يد مليشيا الحوثي الإمامية وإعلان إيران سقوط العاصمة العربية الرابعة بدأت دول الإقليم أيضاً تراجع مواقفها منه وهو ما عزز عزلته الخارجية التي أبتدأها المجتمع الدولي بعقوبات من مجلس الأمن لإدانته بعرقلة جهود تثبيت الإستقرار في اليمن ومشاركته في تهديد الأمن والسلم في البلد.

-       ونجحت السعودية في فرض ضغط هائل عليه ومحاصرته في الزاوية حتى تمكنت أخيرا من فصل التوأم السيامي الحوثعفاشي، والسعودية بالمناسبة مشهورة بهذا النوع من العمليات، لكن العملية تمت في وقت متأخر وحرج للغاية ما تسبب في موت التوأم العفاشي. وأعتقد جازماً بأن التحالف، وعلى وجه الخصوص السعودية، أرادت ومنذ البداية وعبر أساليب متعددة شق الصف الحوثعفاشي لا أكثر ولم يكن لديها نية بتاتاً في إنقاذه، كما قد يعتقد البعض، بعدما تنكر لهم ولخدماتهم الكثيرة له.

-       هذا العزلة الداخلية والخارجية فرضت عليه اللجوء إلى خيارات إنتحارية ومنها تحالفه مع العدو الصديق، الحوثي. وأحسب أن الرجل حصل على تطمينات كثيرة من الإيرانيين وتطمينات مشابهة من بعض القيادات الحوثية التي أنيط بها لعب دور العدو العاقل لكي يطمئن ويسلم ما تحت يده من سلاح وما بقى من عوامل قوة تحت بند مواجهة العدوان والتي ظن بأنها، ومعها الكثير من التنازلات، ستشفع له عندهم.

-       كما أن ردود فعل عفاش لم ترق لمستوى أحداث كثيرة – ومنها عزل المؤتمريين من المناصب القيادية المختلفة في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، ومقتل العقيد خالد الرضي المقرب منه وغيرها كثير، بالإضافة إلى مواقفه المشينة والتجارب المرة التي تعرض لها بعض شيوخ القبائل الذين حاربوا مع الدولة ومعه بشكل شخصي خلال حروب صعدة الست.

-       لعبت إستراتيجية الصدمة والرعب التي اتبعها الحوثيون حيال المعارضين دوراً مهماً في نكوص قبائل الطوق وتخوفها من رد الفعل الحوثية في حال فشل الإنتفاضة التي دعا لها، فكان أن تركوه لمصيره.

-       تمنى البعض للحظة لو قام بإنقلاب لإستعادة الحكم عبر نجله أحمد علي لا أن يسلم البلد لأحفاد الأمامة، وكان هذا الخيار ليلقى قبولاً وإن على مضض لدى الكثير من اليمنيين، وكان للإقليم والمجتمع الدولي أيضاً اللذان يخشيان سقوط البلد ووقوعه في شرك الإسلام السياسي أن يغض الطرف ويتقبل الأمر الواقع، لأنهم يرون فيه خياراً وسطياً. وتمنى آخرون أيضاً لو أنه قبل بترتيبات المرحلة ومخرجات الحوار الوطني وضغط بإتجاه إكمال المرحلة الإنتقالية بشكل سريع بالتصويت على الدستور الجديد وإجراء إنتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، ووقتها كان يمكن لنجله أحمد أن يترشح للرئاسة وأن يفوز بها دون كثير عناء.

-       لقد كان عفاش جباناً ومتردداً وقلبه خفيفاً وأرجله ترتعش، وكان هذا ديدنه على الدوام، ولم يكن من حوله من المستشارين وقيادات المؤتمر يومها في مستوى اللحظة وليسوا من طينة حكماء المؤتمر السابقين أو رجالات اليمن الذي أسندوه ووقفوا معه في كل المراحل.

-       إعتقد عفاش بأن الأمور ستؤول إليه لاحقا فخانه سوء تقديره للأمور، كما أن خطابه الأخير لم يكن ذكياً كفاية. كان يلزمه الخروج على الشعب اليمني ويعتذر عن تحالفه مع الإمامة والإماميين ويدعوهم صراحة للإلتحام بالشرعية ومواجهة الحوثي بكل السبل المتاحة.

-       ركن عفاش على طاقم إستشتاري تعيس ومن المفارقة بأن من ضمن طاقمه عدد كبير من المرتبطين بتنظيم الإمامة وعلى صلة وثيقة بمليشيا الحوثي الإرهابية ومشروعها السلالي المدمر وهم من ساهموا في تتبع تحركاته والإبلاغ عنها ولاحقا سهلوا وصول مليشيا الحوثي إليه.

-       توقع كما كل مرة أن يخدمه الحظ وأن ينجو كما فعل مرات كثيرة في السابق، لكن رصيده من الحظ نفذ وفرص النجاه إنعدمت، وكان عليه أن يواجه مصيره الذي خطه بيده.

يمكن لليمنيين أن يغفروا لعفاش كل شيء تقريباً إلا خيانته وتحالفه مع الإمامة وتسليم البلد ومؤسساته ومصادر قوته وقوته للسلالة الخبيثة. لقد كانت تلك طعنة نافذة في قلب اليمنيين وجريمة لا تغتفر، أحس معها كل يمني بالكسر والألم والإهانة.

من المؤلم بأن الكثير لم يتعلم الدرس بعد وهاهم يحدثونك عن ترهات وبطولات لا وجود لها إلا في خيالهم. نقول للجميع بأن تجاوز الماضي أمراً جيداً وعلينا جميعاً أن نلتفت للحاضر وأن نوحد جهودنا وأقلامنا وعقولنا وقلوبنا لدحر الإنقلاب الحوثي الإمامي وإستعادة يمننا الحبيب وبعدها لكل حادثة حديث.

نعم، يجب أن تكون إستعادة الجمهورية في طليعة إهتمامات كل القوى الوطنية ويجب إن تلتقي عند هذا الهدف النبيل كل الجهود الخيرة، لأنه لم يطل عمر الإنقلاب الحوثي الإمامي إلا تشرذم وتشتت الصف الجمهوري وإنشغالهم بسفاسف الأمور.