الجرعة الملعونة.. خطوة مهمة لبناء اقتصاد سليم
بقلم/ جمال المترب
نشر منذ: 6 سنوات و 6 أشهر و 21 يوماً
الثلاثاء 05 أغسطس-آب 2014 03:16 ص
 

 إلى المتحمسين للخروج للإحتجاج على الجرعة وربما يتطور الأمر الى المطالبة بإسقاط الجكومة والرئيس والحوار والتسوية السياسية اسمحولي ان اضع لكم من خبرتي المتواضعة السيناريو البديل للتعامل مع أزمة الغاء الدعم على المشتقات النفطية فيما يسمى مجازا بالجرعة.

 لنفترض ان الجرعة مرفوضة.. هكذا يريد الشعب .. ولا إرادة فوق إرادة الشعب .. متفقين.. لكن الخزانة العامة عجزها فاق الحدود نتيجة لأسباب كثيرة - لسنا بصدد الحديث عنها هنا - والدولة على شفير الإفلاس والإحتياطي النقدي يتآكل سريعا .. وعامة الشعب لايهمه هذا ويعتقد ان اسقاط الحكومة او الرئيس كفيل بحل المشكلة.. حتى المثقفين يعتقدون ذلك.

والأحزاب جميعها تعرف صعوبة الموقف وتتهرب من تحمل المسئولية بل بعضها يزايد على عواطف الناس طمعا في الفوز بالانتخابات القادمة – ظنا بإنه سيكون هناك إنتخابات بعد الطوفان. إذا ما هو الحل؟ مثل هكذا مأزق لايترك لرجال الدولة خيارات عديدة .. إما المواجهة مع الشعب ومهربي المشتقات من اصحاب النفوذ القوي الذين خفض مخصصاتهم من الوقود والأحزاب .. الخ .. أو التراجع عن قرار الجرعة وترك إقتصاد البلاد ينهار وتنهار معه كل جهود التسوية السياسية والوحدة والجمهورية ، أو اللجو الى الأساليب القديمة.

 ما هي الأساليب القديمة؟؟ وهي ببساطة يعلن الرئيس التراجع عن إقرار الجرعة نزولا عند رغبة الشعب ..وبعدين .. وبدون ضجة ولامواجهات يتخذ مع وزير المالية والبنك المركزي قراره سرا دون علم باقي الحكومة حتى ..يتخذ قرارا بتخفيض العملة المحلية سرا وتدريجيا الى المستوى المطلوب للمرحلة والإستمرار هكذا حتى لو انخفض الريال الى 50% من قيمته الحالية او حتى أقل حسب الحاجة .. يعنى ضاعفت ايرادات الدولة من النفط الخام الى 200% وضاعف قيمة الإحتياطي مقارنة بالإصدار النقدي والقوة الشرائية للريال. يعني خفضت القيمة الفعلية لكافة ابواب وبنود الميزانية العمومية للدولة الباب الاول والباب الثاني والثالث .. الى النصف او الثلث.. حسب الظروف. صحيح ان المشتقات النفطية ستظل تدعم من الدولة لتباع بنفس القيمة الأسمية الحالية ولكنها ستدر نصف القيمة الفعلية مقارنة بسعر اليوم ولكن الوفر الحادث من باقي بنود الميزانية سيعوض الفارق وزياده.. كيف يتم ذلك؟ .. هز سوق العملة بعرض مفاجيء للدولار - كذا مليون - ترعب الناس الذي عندها دولارات تحت البلاط والا في البنك فتقوم تبيع لأنها سمعت أنه با يرجع الى 150 ريال مثلا .. على طول اسحب الدولار من السوق ونزل ريال واعطي تعليمات للبنوك التجارية ووفر لهم السيولة الكافية يشتروا دولار نيابة عن البنك المركزي .. رجع يطلع سعر الدولار وخافت الناس على فلوسها .. عيد الكرة ، وضخ كذا مليون دولار ثانية وهكذا .. لما تصفي ماعند الناس من مدخرات واعطيهم ريال جديدة ابو الف .. ثم ارفع الفائدة على الريال واعطي تعليمات للبنوك تقبل ودائع الريال بفائدة 20% مثلا او أكثر من أجل الناس تفرح .. بالمقابل اطبع ريال .. واطبع مرة اخرى وخفض الريال علشان تدفع الفوائد .. وهكذا دواليك.

وبهذه الطريقة يكون البنك المركزي استعاد جزءاً من الاحتياطي المستنزف وخفض قيمة الريال ..حتى وإن ضج الشعب من الغلاء وارتفاع الدولار!! عادي.. سرب أخبار ان الدولة الفلانية تتآمر على الوطن او حتى فلان من الناس او الحزب العلاني بيشتري عمله ويهربها .. وكل واحد يتهم الثاني .. واذا احتاج الأمر اعمل حملة إغلاق لمحلات الصرافة بتهمة التلاعب بالدولار ..

لن يخرج مواطن ولا مظاهرة لإن الخصم هو الدولار .. والدولار يطبع في امريكا وهناك مؤمرات إمبريالية وصهيونية ولانعرف ضد من نتظاهر .. وهكذا واصل العملية كلما احتجت وحلي مشاكلك يا حكومة وغطي عجز ميزانيتك حتى لو وصل الدولار الى 400 و500 ريال وربما اكثر .. المهم المشتقات النفطية مدعومة والشعب محتار من غريمه الذي يرفع الدولار.. هكذا كان التعامل مع المشكلة في الماضي .. ضحك على الشعب المسكين وحتى المثقفين والمتعلمين ورجال الأعمال كلنا كنا مصدقين المؤامرات ضد اقتصاد البلاد بسحب الدولار .. من اجل كرسي السلطة.. عملتها الحكومات في الماضي منذ كان الدولار بسعر 4.5 ريال حتى وصل الى 215 ريال سعر الدولار .. لكن .. هذا يعني ان الدولة اهدرت عمدا وعدوانا وظلما أموال وممتلكات المواطنين والبيوت والعقارات وحتى البشر رخصت دياتهم .. بالمقابل اعطت المواطن ورق قراطيس لاقيمة لها وفوائد مصرفية وهمية ورفعت معدلات التضخم واحبطت التنمية ورفعت اسعار كل السلع والخدمات المستوردة والمحلية. هل تريدون من الحكومة العودة الى سياسات الإستخفاف بعقولنا؟ ام نتعلم ونعلّم بعضنا مواجهة الواقع بشجاعة ونصحح أخطاء الماضي من أجل مستقبل أفضل؟ على الشعب ان يستخدم العقل بدلاً من أن يستسلم للعواطف وأن يفوت الفرصة على اصحاب المصالح الشخصية او الحزبية الضيقة والإجندات السياسية المشبوهة . هناك من يسعى لإقحام البلاد في متاهات لانهاية لها للهروب من استحقاقات تنفيذ مخرجات الحوار امام المجتمع الدولي مثل نزع السلاح وتطبيق العدالة الإنتقالية واسترداد الأموال المنهوبة والحكم الرشيد والتحول الى النظام الفيدرالي .. هناك من يسعى الى تعطيل إقرار دستور اليمن الإتحادي ليبقي على مصالحه الخاصة ونفوذه .. وإذا خرجتم بسلمية طالبوا رئيس الجمهورية بمواصلة تجفيف فجوات استنزاف ونهب اموال ومقدرات اليمن وثرواتها .. طالبوه بالإسراع في تنفيذ مخرجات الحوار لإيصال اليمن الى بر الأمان.. طالبوه بإسقاط الحكومة إذا رأيتم وتشكيل حكومة كفاءات شابة .. وما اكثرها كفاءات.

 الجرعة الملعونة هي بداية مواجهة الشعب مع قوى الفساد المتغولة النافذة منذ عشرات السنين تستنزف مليارات الدولارات من قوت الشعب والفقراء . هل منع دعم المشتقات النفطية الفقر والجوع عن نصف الشعب اليمني؟ الجرعة الملعونة انقذت إقتصاد على شفير الإفلاس والإنهيار وخطوة مهمة على طريق بناء الإقتصاد الوطني السليم المتعافي بدلا من الذل والشحت والإستجداء.. ماجدوى بقاء البترول والديزل بالسعر المدعوم في ظل إنهيار سعر العملة وإفلاس البنك المركزي والدولة؟ اليمن يمضي للأمام بخطى راسخة ولاخوف عليه طالما انتم رجاله نسائه الأحرار من يصنع التغيير ويصنع المستقبل . حفظ الله بلادنا وأنّور عقولنا وقلوبنا وأفشل الاشرار المتربصين بيننا..