في ذكرى الثورة اليمنية
بقلم/ د. عيدروس نصر ناصر
نشر منذ: 8 سنوات و شهرين و 5 أيام
الثلاثاء 12 فبراير-شباط 2013 02:10 م
في ثورات الربيع العربي السلمية لا يمكن الحديث عن يوم انطلاق أول رصاصة، رغم الكثير من الرصاص الذي انهال على الثوار المسالمين الذين خرجوا إلى الساحات او الشوارع والميادين العامة للمطالبة بالتغيير وإسقاط أنظمة التعسف والقمع والفساد والاستبداد ومن هنا يمكن تفهم عدم الدقة في الحديث عن يوم الثورة، وبالتالي التوافق على يوم معين قد لا يكون اليوم الأول لانطلاق الثورة فتونس تحتفل بيوم 15 يناير وليس يوم 18 ديسمبر، وليبيا تحتفل بيوم 17 فبراير رغم خروج مسيرات في بنغازي وبعض مدن الشرق قبل هذا بأيام.

هذا ينطبق على الثورة اليمنية إذ ربما كانت البدايات الأولى لهذه الثورة تعود إلى ما قبل الحادي عشر من فبراير 2011م إذ إن الكثير من الفعاليات والمسيرات كانت تنطلق عبر شوارع العاصمة صنعا ومعها تعز وبعض المدن الأخرى وربما كان يوم الخامس عشر من يناير هو يوم أول مسيرة احتجاجية انطلقت في صنعا تعبيرا عن التأييد للثورة التونسية التي تكللت بسقوط زين العابدين وهروبه من البلد، أقول هذا دون إغفال المكانة والدور الذي لعبه الحراك السلمي في الجنوب والذي انطلق في العام 2007م ولعب دورا كبيرا في شحذ همم الناس وكسر حاجز الخوف وتدريب الشباب على نمط جديد من الرفض هو الخيار السلمي، وقد شكل تمهيدا مهما ومصدر لإلهام شباب الثورة 2011 التي عمت كل محافظات اليمن.

ليس مهما كل هذا طالما توافق الشباب على اعتبار يوم الحادي عشر من فبراير هو يوم الثورة ففي تلك الليلة انطلقت المسيرة الشبابية الكبيرة التي تحركت من أمام بوابة جامعة صنعا عبر شارع العدل فشارع 26 سبتمبر ثم ميدان التحرير وشارع جمال وصولا إلى السفارة المصرية التي كانت قد أحيطت بمئات الجنود والضباط من قوات مكافحة الشغب ولم يتمكن الشباب من الوصول إلى السفارة لإيصال الرسالة التي أرادوا إبلاغها لكن الرسالة كانت قد وصلت إلى الحاكم وفحواها أن الشعب اليمني ليس أقل قدرة وشجاعة من الشعبين التونسي والمصري، مثلما هو ليس أقل حظا من هذين الشعبين من حيث الظلم والقمع والتجهيل والحرمان والتعرض للفساد والاستبداد.

اليوم وقد مضى عامان على انطلاق ثورة الشباب اليمني السلمية حري بنا التوقف عند ما أنجزته الثورة وما أخفقت في تحقيقه، حيث ما نزال نسمع من يقول أن الثورة قد حققت كل أهدافها وإن على الشباب العودة إلى منازلهم وهناك من سيتولى إنجاز ما تبقى من تلك الأهداف، كما نسمع على الطرف الأخر من يقول أن الثورة لم تحقق شيئا وإن ما جرى هو إسقاط الطاغية مع الاحتفاظ بكل نظام حكمه تماما كما كان قبل خروج الرجل من الحكم، خصوصا وإن الكثير من رجالاته وأركان حكمه الرئيسيين قد انتقلوا إلى صف الثورة مع احتفاظهم بكل ما حققوه من مصالح خلال مشاركتهم للطاغية حكم البلد، هذا ناهيك عن أن نصف الحكومة وكل الجهاز الإداري والقضائي والأمني هو جهاز ما قبل الثورة والأهم من هذا، إن العقلية والسلوك ومنهاج الإدارة والقوانين والنظم واللوائح كل ذلك ما يزال قائما كما كانا قبل الثورة وهو ما يجعل البعض يستخلص أن الثورة ما تزال واقفة عند نقطة الصفر ومن هنا يأتي إصرار البعض على التمسك بالساحات ضمانا لمواصلة خط الثورة وبلوغها أهدافها.

لا شك أن مجرد إجبار رأس الحكم على التنحي، طوعا أو كرها هو مؤشر على أن هذا النظام قد استنفذ قدرته على البقاء على قيد الحياة، ومواكبة الزمن ومتطلباته وإنه قد غادر مسرح السياسة ربما إلى غير رجعة، ولا شك أن جرأة الشعب على إعلان رفضه للظلم والفساد والقمع والاستبداد والتوريث قد خلق ثقافة سياسية جديدة، هي ثقافة الرفض القائم على العمل السلمي والاحتجاج الشعبي والتمسك بالتغيير وهو (أي الشعب) إذ واجه أكبر الطغاة في التاريخ اليمني الحديث كفيل بأن يواجه أي طاغية قد يظهر في المستقبل سواء في شكل قائد عسكري أو ديكتاتور حزبي أو شيخ قبلي أو واعظ ديني يقدس القمع والتسلط.

لكن ما لا يمكن إنكاره أيضا أن طريق الثورة ما يزال طويلا وأن ما تحقق حتى الآن ليس سوى نقطة في بحر المهمات الثورية المعقدة لهذه الثورة، وإن الكثير مما كان يمكن بلوغه بيسر وسهولة تأخر كثيرا بسبب غياب الرؤية السياسية التي كان ينبغي أن تستلهم روح الثورة وتخرج من الفكر السياسي التقليدي إلى أفق الإبداع والتجديد والديناميكية التي تقتضيها متطلبات عصر التقنية وثورة المعلومات وسرعة الصاروخ.

يكفي أن نشير إلى أن الساسة الذين تولوا عملية التسوية السياسية قد فشلوا في استقطاب الجنوب إلى صف الثورة بسبب إصرار البعض على تحويل نتائج حرب 1994م إلى مقدسات لا يجوز المساس بها وهو ما أحبط الشعب في الجنوب من هذه الثورة وجعل المواطن الجنوبي يشعر أنه غير معني بهذه الثورة التي لم ترفع عنه مظالم عمرها عشرين عاما من السلب والنهب والإقصاء والتمييز، وكان يمكن لمن تولوا إدارة التسوية التقدم بمبادرة عاجلة لتسوية الأرضية السياسية في الجنوب والبدء بإعادة الممتلكات والمنشآت والأراضي والمؤسسات المنهوبة وإعادة الناس إلى أعمالهم وتعويضهم عن أضرار الاستبعاد لما يقارب عقدين من الزمن

لم تفلح حكومة الوفاق في تغيير منهج الحكم وذلك بالإصرار على أسلوب النظام السابق بقوانينه ونظمه وأسلوب الإدارة وسلوك الموظفين وبقاء الفساد وعدم التجرؤ على محاسبة فاسد صغير من باب إظهار التميز عن الحكم السابق، وباستثناء صفقة مينا عدن لم نسمع عن إعادة النظر في صفقة واحدة من الصفقات المشبوهة التي عقدها النظام السابق والتي كلفت اليمن عشرات المليارات من الدولارات وهي مبالغ كانت تكفي لجعل اليمن واحدة من أغنى البلدان العربية.

قضايا كثير ما تزال على أجندة الثورة وهو الأمر الذي يجعل من مطلب التمسك بالساحات ومواصلة الثورة أمرا مشروعا ومطلبا ملحا.

المجد والخلود للشهداء والشفاء للجرحى، وطوبى لشباب الثورة الذين أثبتوا أن الطغيان مهما علا شأنه لا بد من زواله ولو بعد حين.

وللحديث بقية

برقيات:

*سقوط قتلى وجرحى في مدينة عدن على أيدي قوات الأمن بحجة حماية مسيرة شباب الثورة، حادثة تؤكد استمرار الاستخفاف بدماء وأرواح الناس وإدمان عملية القتل، . . لا يمكن أن يكون هذا سلوك سلطة تدعى أنها جاءت بفضل الثورة وإلا لتحولت الثورة إلى أداة لقتل الناس، وهذا ما لا تقره أي ثورة في العالم.

*قال الشاعر العربي العباسي أبو تمام:

سَتُصْبِحُ العِيسُ بي، واللَّيْل عِنْدَ فَتًى   كثيرِ ذكْرِ الرضَا في ساعة الغَضَبِ

صدفتُ عنهُ، فلم تــــــصدفْ مودَّتهُ          عنِّي وعاودهُ ظــــــــنِّي، فلم يخِبِ

كالـــــــغَيْثِ إِنْ جِئَتَهُ وافَاكَ رَيقُهُ            وإنْ تحمَّلت عنهُ كان في الطِّلبِ

خَلاَئِقَ الحَسَنِ استَوْفِي البَقَاءَ، فَقَدْ      أصبحتِ قُرَّة عينِ المجدِ والحسبِ

كأَنَّماَ هُو مِنْ أَخْــــــــــــلاَقِهِ أَبداً               وإنْ ثوى وحدهُ في جحــفلٍ لَجبِ