واشنطن بوست تكشف مضمون رسالة مشفرة تفجر تفاصيل التعاون مع جهة معادية للإسلام في أمريكا

الخميس 13 يناير-كانون الثاني 2022 الساعة 05 مساءً / مارب برس- القدس العربي
عدد القراءات 4652
 

نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا عن فضيحة التجسس التي تعرض لها مجلس العلاقات الأمريكية- الإسلامية أو كير.

وقالت إن الفضيحة ذكرت كثيرا من المسلمين الأمريكيين وكانت مجهرا عن الحياة التي يعيشون في ظلها بمرحلة ما بعد 11 أيلول/ سبتمبر.

وكشفت الصحيفة عن الطريقة التي قام بها كير بفضح الجاسوس “رسالة مشفرة ثم اعتراف”. وفي التقرير الذي أعدته ميشيل بورستين وهناء علام قالتا فيه إن الأمر بدأ ببريد إلكتروني مشفر أرسل في آب/ أغسطس 2019 بدون اسم وموضوع: “معلومة قد تحتاجها”، ولم يكشف عن الموضوع إلا بعد عام حيث جاء المرسل بمعلومة “هناك جاسوس في داخل منظمتكم”. وبالنسبة للمسلمين الأمريكيين فالرقابة الحكومية على منظماتهم وزرع المخبرين فيها أصبح أمرا عاديا في مرحلة ما بعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001، لكن الجماعات مثل كير، أكبر منظمة حقوق مدنية مسلمة في أمريكا قالت إن الرقابة والتدقيق الصارم قد خف في العقد الماضي.

وقال المتحدث باسم كير إداورد أحمد ميتشل “اعتقدنا أنه قد يكون شخصا معتوها”. ولكن الرسائل المشفرة قادت كير لاحقا إلى تسجيلات ونصوص وثقت ما قالت كير إنها أكبر عملية تجسس معروفة حتى الآن ضد منظمة مسلمة في الذاكرة الحديثة. وقالت إن ناشطين مسلمين كانا ولسنوات يقدمان معلومات من الداخل لمجموعة كارهة للإسلام مقرها في واشنطن، تعرف باسم “البرنامج الإستقصائي عن الإرهاب”.

وتضم خزانة الوثائق والتسجيلات لقاء في عام 2010 حضره قادة مسلمون في أمريكا ناقشوا فيه الردود المعادية ضد مركز إسلامي مقترح في “غراوند زيرو” (مكان هجمات نيويورك). وضمت كذلك القلق النفسي من التصريحات المعادية للإسلام التي أطلقها المرشح الرئاسي في حينه دونالد ترامب وكذلك هجوم قام به زوجان مسلمان في سان بيرنادينو، كاليفورنيا وتسجيل للنائب الديمقراطي المسلم في حينه كيث إليسون ناقش فيه ديناميات القوة في الشرق الأوسط.

وكشف كير في الشهر الماضي عن رومين إقبال، الزعيم الذي مثل المجلس ولمدة طويلة كمدير لفرعها في أوهايو، كواحد من المشاركين في التجسس.

وفي يوم الأربعاء، كشف المجلس عن طارق نيلسون (48 عاما) والذي كان حتى عقد من الزمان ناشاطا في مركز دار الهجرة في فولز تشيرتش بفيرجينيا. ورفض محامي إقبال، ديف توماس التعليق للصحيفة يوم الثلاثاء. وهذه المرة الأولى التي يكشف فيها عن اسم نيلسون من الأشخاص الذين لهم علاقة بها بمن فيهم نيلسون والمركز وقيادة دار الهجرة التي تعتبر من أكبر مساجد العاصمة واشنطن.

ومنذ الكشف عن عملية التجسس الشهر الماضي، ظل السؤال الذي يتردد بين المسلمين: لماذا؟ ولم يقدم كير أي تعليقات حول الدوافع التي دفعت إقبال، لكن نيلسون اعترف أنه تلقى 100 ألف دولار من الرجل الذي تعامل معه من المركز وعلى مدى ثلاثة أعوام. ولكن المقابلات معه والمقربين منه كشفت أن المال لم يكن هو الدافع الحقيقي.

وفي مقابلة معه قال فيها إنه قضى سنواته الأولى كمسلم يتبع تفسيرا متشددا للإسلام بحيث وجد لاحقا صعوبة في أن يجد مكانه ضمن التيار الرئيس للإسلام. ومن هنا اعتقد أن تقديم معلومات لجماعات معادية للمسلمين قد يقنعها بالموقف الحقيقي للمسلمين ويحصل بالمقابل على مال من خلال تزويده بمعلومات غير ضارة.

وتم الكشف عن الترتيبات عندما قام مبلغ من داخل المركز بالكشف للصحيفة بشرط عدم الكشف عن هويته أن التعاون جاء من الرغبة في مرحلة ما بعد 9/11 لحماية الولايات المتحدة من الإفراط والتحول إلى مشروع ضار بالمجتمع المسلم في أمريكا، إلا أن الفضيحة تقدم للمسلمين تذكيرا بالوضع الذي يعيشون في ظله منذ الهجمات. وفي العقد بعد الهجمات أصبحت الرقابة صارمة بشكل كبير بحيث أبعدت المسلمين عن المساجد وخلقت جوا من عدم الشك بين التجمعات المسلمة. ولكن الخوف خف في السنوات الأخيرة حيث تراجعت قضايا الإرهاب التي تنسب للمسلمين. لكن القلق لم يختف أبدا، وحسب ميتشل “كانت هناك محاولة للعيش معها مثل كوفيد”، مضيفا “ما يثير دهشة المسلمين حول (قضية المركز) أن عملية التعلم كانت كبيرة ولمدة طويلة”.

وفي مؤتمر صحافي قال المدير التنفيذي لكير نهاد عوض إن المجلس حاول التواصل مع مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي أي) حول عملية التجسس الطويلة ولأنه كان قلقا حول عملية خرق القانون ولأن بعض الوثائق كشفت عن تواصل مدير المركز ومؤسسه ستيفن إيمرسون مع المسؤلين في الحكومة الإسرائيلية. ولم يحصل المجلس على رد كما قال عوض. ووصف هذا بـ”المخيب للأمل” وتساءل “هل هذا لأننا مسلمون؟” ولم يرد أف بي أي بشكل مباشر للتعليق.

وقال ميتشل إن جماعات الإسلاموفوبيا مثل المشروع الإستقصائي عن الإرهاب هي خطيرة وترى أن العنف متأصل بالمسلمين أو أنهم خطر ديمغرافي للدول الغربية. وأشار إلى السفاح الجماعي في كيوبيك بكندا في 2017 والذي تأثر بمحتويات المركز التي يضعها على الإنترنت.

وقالت جنا الأخرس، 28 عاما والمحامية من كولومبوس وتعرف إقبال عندما كانت في المدرسة المتوسطة عبر كير، إن المسلمين في المنطقة لا يزالون يشعرون بالغضب وبعد أسابيع من الكشف عن التجسس. وقالت إن جزءا من مهامه كانت متابعة قضايا خاصة مثل الهجرة والتوظيف والتمييز العنصري والخلافات العائلية. وفكرة أنه أوصل وعلى مدى السنين هذه المعلومات الحساسة ووضعها في أيد معادية تثير الخوف. وكان إقبال من بين الناضجين الكبار الذين نظموا حلقات للشباب حول معرفة حقوقهم. وقال لهم “لو دق أحدهم على الباب أطلب بلاغ التفتيش، وهذه حوارات مهمة سمعتها عندما كنت في العاشرة من عمري”.

وقال سيف الرحمن مدير الشؤون العامة والحكومية في دار الهجرة في شمال فرجينيا، وهو المسجد الذي صلى فيه وتطوع نيلسون، إن كير حذرهم قبل عدة أشهر بوجود جاسوس. وبعد الكشف عن مزاعم أوهايو، قال رحمن إن نيلسون تحدث مع مسؤولي مجلس المسجد واعترف بأنه عمل مع المشروع الإستقصائي عن الإرهاب. ومع انتشار الخبر ساد حس من الصدمة والشعور بالخيانة، فلم يتوقع أحد هذا من نيلسون الذي اعتبر “ودودا واجتماعيا” و”كان الأمر مثل اكتشافك أن شخصا تعرفه كأخ لتجده أن أخيك متواطئا مع شخص آخر لحرمانك”. وفي بعض الحالات فالأمر يتجاوز مسألة الأذى الشخصي. فقد أكد نيلسون أنه سجل تعليقات إليسون في حفل جمع تبرعات بالمسجد نظم في 2010 والتي قال فيها إن السياسة الخارجية الأمريكية “تحكمها” المصالح الإسرائيلية. وأكد إليسون أن التعليقات التي لم تستغرق سوى 36 ثانية أخرجت عن سياقها. وبعد ستة سنوات استخدم معارضو النائب المسلم التسجيل لحرمانه من رئاسة اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي في عام 2016.

ورفض إليسون التأكيد إن كان التسجيل قد أثر على فرصه للفوز باللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي ولكنه تحدث في بيان للصحيفة عن الرقابة حيث قال “الحقيقة بشأن الحملة الطويلة للتضليل- التجسس على المسلمين الذين يقومون بنشاطات شرعية يسمح بها التعديل الأول للدستور ودفع عشرات الألاف من الدولارات إلى أشخاص للقيام بحملات تشهير وخداع لا تزال مستمرة”.

وأضاف “لو كشفت العشر السنوات الماضية عن أي شيء فقد كشفت عما يطلق عليه التخويف من المسلمين والذي كان دائما عملية تضليل مدروسة لاستعداء الأمريكيين ضد بعضهم البعض”. وكتب عمر لي، الكاتب من سانت لويس والذي قابل نيلسون في مشهد المعتنقين الأصوليين للإسلام في التسعينات من القرن الماضي، مقالا من 20 صفحة عن صديقه، واطلعت عليه الصحيفة وصور نيلسون بأنه كان في مرمى عدة تحديات مجتمعية:

أفريقي- أمريكي يواجه العنصرية من غير الأفارقة من مسلمي الولايات المتحدة. ورجل في متوسط العمر خرج من مرحلة التشدد يحاول البحث عن الحقيقة، ورجل أمريكي مسلم يركز على الصلاح والتقوى الشخصي في وقت يركز فيه بقية المصلين في المسجد على الشؤون الخارجية، بالإضافة لمحافظ ديني يحتاج لعناية نفسية في مجتمع لم يوفرها له.

وكتب لي “اعتذر طارق وقال إنه نادم على ما فعل وأعتقد أننا نعرف بالبديهة أن التجسس على الآخرين ليس مدعاة للفخر وله تداعياته”.

وأضاف أن “قصة طارق نيلسون هي عن روح محطمة بعد خفوت اللهب السام للإصولية”. ولم يتولى نيلسون أي منصب قيادي في أي مسجد أو مؤسسة إسلامية لكنه كان متطوعا في دار الهجرة منذ 2005 كما أخبر “واشنطن بوست”.

وقال إنه عمل مع الشباب والدعوة ونشر الإسلام في تلك السنوات الحساسة. وتقاطع عمله في بداية الألفية الذي ركز فيه على شجب أسامة بن لادن والقاعدة مع مدير المشروع الإستقصائي عن الإرهاب إيمرسون، الذي يعد من أكبر المعادين للإسلام في أمريكا. وقال نيلسون عن إيمرسون ومنظمته “قدم الأمر بهذه الطريقة: نحن نقف في نفس الصف. ولم يتحدث ضد المسلمين بشكل عام، ولم يكن مهتما بمنع الحجاب أو البحث في القرآن أو أي شيء، ومعه لم يكن الأمر متعلقا بالدين”.

 

وأضاف أن تركيز إيمرسون كان على الإرهاب. ونشر المركز نفس البيان الذين نشره الشهر الماضي بعد الكشف عن إقبال “في الوقت الذي لم ولن يقوم فيه المشروع الإستقصائي عن الإرهاب بمراقبة المجتمع المسلم الأمريكي إلا أنه لن يتردد بالكشف وفضح النشاط الإسلامي الراديكالي على التراب الأمريكي”.

 

وفي اليوم الذي طلب منه إيمرسون عنوانه وأرسل له المال بدون أن يتوقع، بدأت علاقة قادت إلى راتب شهري بـ3000 دولار ما بين 2008- 2011. وقال نيلسون إنه لا يوجد مبرر لما فعل وأن الكثيرين في دار الهجرة كانوا طيبين معه، وبالنظر للخلف فهو يبرر دوافعه بالمعقدة والمتناقضة وربما كانت “حماقة”.

 

ويتذكر كيف كان ينتظر ليقدم ما كان لديه إلى إيمرسون “أهلا، أنت لم تصل إلى أي مكان، لا يحدث هنا الكثير، وهؤلاء ليس كما تعتقد”. وفي بيان صدر عن كير قال “إن نيلسون يمر بأزمة شخصية ويعاني من مشاكل مالية حادة” وبرر أخذه المال “لم أطلب من أحد الثقة بي وكل ما أريده هو شرح ما قمت به وطلب المغفرة من الذين لديهم استعداد للمسامحة”.

 

وقال المبلغ الذي أرسل الرسائل الإلكترونية إلى كير إنه كان من المتحمسين في السنوات الأولى من أجل دعم الأمن الأمريكي. ومع مرور الوقت ومقتل الجنود الأمريكيين في العراق بشكل عبثي، فقد اعتبروا أنفسهم من الذين يحترمون الدين واكتشفوا أن إيمرسون لا يحب الإسلام. و”شعرت أن إيمرسون مؤيد للوبي الإسرائيلي ولا يعمل ضد الإرهاب”.

 

وقال رحمن من دار الهجرة إن المسحد يعمل لنشر التعاليم الإسلامية والتوبة ويتعاون مع نيلسون ومساعدته للتكفير عن ذنبه. وأضاف أن “بيت الله مفتوح للناس الطيبيين والسيئين” ومحاولة التدقيق في الداخل والخارج ستكون لعنة وضد فكرة أنه ملجأ للجميع.

 

كلمات مفتاحية