أزمة الخطاب الإسلامي المعاصر
فؤاد الحميدي
فؤاد الحميدي

إن الاستبداد بكافة أشكاله الديني والسياسي والاجتماعي وواقع الأمة وجروحها في فلسطين والعراق وأفغانستان والصومال كان له الدور الأبرز في إفراز أنواع معقدة من الخطاب الإسلامي ففي الوقت الذي كان مازال فيه دعاة الخطاب الإسلامي منشغلين بمشاكلهم وخلافهم واختلافاتهم أتت أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتفرز واقعا جديدا ظهر فيه الإسلام والمسلمين كعدو حقيقي يتربص بالغرب ومصالحه سواء في البلدان الغربية أو خارج حدودها وأصبح كل مسلم تحت طائلة الاتهام ومدان بالإرهاب والعنف حتى تثبت براءته . حاول الغرب إظهار هذه الصورة - التي كان تشوهها باهتا نوعا ما عند بداياتها على أيدي المستشرقين- وسارعت القيادات السياسية وأجهزة الإعلام على تغذية مشاعر القلق والخوف عند مواطنيهم من خطر الإسلام القادم – دين الإرهاب والعنف- على حد تعبيرهم.

 

عند الحديث عن الخطاب الإسلامي فإنه قد يتم ربطه من قبل البعض بأصحاب العمائم سواء البيضاء أو السوداء وهذا خطأ منهجي وإشكالية بالإضافة إلى إشكاليات أخرى يعاني منها هذا الخطاب لأنه بهذا الوصف أو الربط يتم حصره في خانة " التراث الديني " وبالتالي فلا فاعليه له ولا ادوار , لأنه – كما يرى الدكتور محمد عماره في كتابه أزمة الفكر الإسلامي المعاصر – "لا عصمة لعالم دين ولا لمؤسسة العلم الديني".ولما كانت الساحة الإسلامية تعج بالتيارات المختلفة أدى بالتالي إلى تعددية الخطاب , فهناك الخطاب السلفي والخطاب الإسلامي الحركي والخطاب الإسلامي التكفيري والخطاب الصوفي والخطاب العلماني , هذه التعددية في الخطاب لم تؤد إلى التعاون والتكامل كما يفترض بها بل أدت إلى الاختلاف الذي في بعض الأحيان يؤدي إلى القطيعة وافتعال الفتن المذهبية في أحايين أخرى ويتجلى هذا بوضوح لما نجده اليوم من كتب وكتيبات وسيديهات وأشرطة تفيض بها المكتبات والأكشاك تحمل من الاتهامات المتبادلة والتجريح والتسفيه والقدح والتعريض والتشهير ما يربك العامة ويشوش أفكارهم ويزعزع ثقتهم في جدوى وأهمية وصلاحية الخطاب الإسلامي.

ولما كان الخطاب الإسلامي في جوهره ينبع من التعامل المنهجي مع القران الكريم وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم فهو إذن يحمل صفة الشمولية ويراعي سنن التغيير عند توفر الاجتهاد المنهجي العلمي التحليلي القائم على فهم فقه الواقع.لكن ما وقع فيه الخطاب الإسلامي المعاصر من هفوات ومآخذ جعلته خطابا متناقضا ركيكا اخفق في مخاطبة الآخر – المسلم- فضلا عن الآخر – المسيحي وغيره- حين خاطبه بلغة غريبة بعيدة عن منطق العصر ليقدم دليلا على إخفاق الخطاب الإسلامي عن الاتصاف بالعالمية والشمولية والإنسانية.

 

لعل من أهم هذه المآخذ هي الدعوة إلى السيطرة على الدولة وأسلمة المجتمع وفق رؤى وتصورات يضعها هذا الخطاب بما يتناسب وأجندته متجاهلا أو مستبعدا مفهوم الوطنية والتي تساوي بين المسلم والذمي واللا ديني في الحقوق والحريات . وهذا- في رأيهم – يعد مناقضا للأصول الإسلامية وأفضلية المسلم على غيره ولما كانت هذه الدعوة تقوم على مفهوم الجماعة جاء من هنا أهمية تمييز هذه الجماعة وتميزها عن الأكثرية والتي تكون بنظرهم ضالة وغالبا ما يتم تكفيرها وإهدار دمها والإقرار بعدم أهليتها لقيادة الأمة.من هنا كان إسهام الإسلاميين الراديكاليين والإسلاميين التكفيريين في توسيع دائرة الحرام وتضييق دائرة الحلال بلي أعناق الآيات والنصوص الشرعية واعتماد المفهوم التقليدي لهذه النصوص.

• لم يعمل دعاة الخطاب الإسلامي على تأسيس خطاب إسلامي قائم على الثوابت واحترام السنن ما أدى به إلى المثالية المغالية المفرطة والازدواجية المرهقة كما انه لم يستوعب الماضي ناهيك عن ماضي الآخرين ليستغل فيها عناصر المقاربة والالتقاء ليكون قاعدة لحوار بين حضارتين وموروثين يفيدان من بعضهما ويعملان على استشراف جماعي لمستقبل مشترك .

• حصر الإسلاميون الخطاب الإسلامي في الإخضاع الأيدلوجي والتسليم الفكري المسبق والتبعية المعيقة للتفكير والإبداع والتطور.

• اتسم الخطاب الإسلامي بالبعد العاطفي مبتعدا عن المنهجية العلمية التحليلية النقدية , فاجتراره للماضي وحفاوته بالتقاليد الموروثة من صراعات الأمة فقهيا وفكريا وعقديا ومذهبيا جعلت منه خطابا منزويا منعزلا متقوقعا يدور في حلقة مفرغة.

• صار حديث الخطاب الإسلامي حديث كليات لا حديث أولويات فشعار " الإسلام هو الحل "

 وهو شعار استقطابي تحشيدي وهو مقبول لكنه يحتاج إلى تحديد الأولويات والمشكلات ومن المؤهل

 ليضطلع بذلك.

 

• يري الخطاب الإسلامي (الراديكالي) انه لابد من وجود حواجز بين الدعاة والناس حتى لا يحط من قدر هؤلاء الدعاة والعلماء الذين تدرجوا إلى معارج الكمال وزكت نفوسهم وهذبت نفسياتهم وسمت أرواحهم فهم إذن الأجدر بحمل مشاعل الدعوة والأجدر على تقديم الخطاب بشكله الصحيح بعيدا عن المداهنة في الخطاب.

• لا يرى الخطاب الإسلامي في الغرب وحضارته سوى الوجه القاتم فهو ليس سوى مستعمر بغيض ينبت " لحم أكتافه" من نهب ثروات الأمم وممتلكاتها ومقدراتها وحضارته ليست سوى حضارة منحلة فاسدة تفتقد إلى القيم التي تؤهلها لقيادة البشرية.

 

وتأسيسا على ما سبق يمكن القول أن الخطاب الإسلامي المعاصر يعيش أزمة حقيقية صار فيها المسلمين بحاجة ماسة لانجاز وصياغة خطاب إسلامي متوازن , معتدل يستوعب مفهوم الدولة الحديثة التي تمثل الواقع الراهن ولا ينبغي أن يقوم الخطاب الإسلامي على المحاججة الأيدلوجية فقط بقدر حاجته أيضا إلى الأعمال العلمية الرصينة تؤازره وتقوي من وقعه وتأثيره. إن هذه المهمة ليست بالعملية السهلة الهينة لاستعادة و تجديد ما هدمته قرون وما تعاضدت المعطيات التاريخية والظروف الاجتماعية والسياسية على تشويهه وخلخلته وإعادة صياغته وفقا لمقتضيات واقع فرض على الأمة في مراحل تاريخية مختلفة أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم والى النظرة المبتسرة القاصرة سواء إلى بعضنا أو نظرة الآخر-الغربي- لنا.وينبغي الأخذ بعين الاعتبار انه عند إعادة صياغة وتحسين الخطاب الإسلامي فأنه لن يؤتي أكله في القريب العاجل ولا ينبغي أن تستعجل النتائج فالمهمة صعبة والطريق طويل والأعداء كثر لكن الأهم هو البدء بهذه المهمة والتي لابد أن تصدق النية وتحشد الجهود لها وتكون جماعية تضم علماء الدين ذوي المنهجية الوسطية والمفكرين والأدباء ذوي الأقلام الواعية المعتدلة وأجهزة الإعلام على اختلافها وأيضا الجمعيات والمنتديات العربية والإسلامية في الدول الغربية كل هؤلاء يعملون على تقديم خطاب إسلامي متوازن قوي يوضح وجهة نظر الإسلام الصحيحة التي تحمل روح التطور والتسامح والحب وقبول الآخر بعيدا عن التطرف والتشدد والغلو.


في الخميس 01 يوليو-تموز 2010 03:33:47 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://marebpress.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.org/articles.php?id=7445