فقه الألوان في القرآن العظيم
د. محمد معافى المهدلي
د. محمد معافى المهدلي

عالم الألوان، عالم مليء بالأسرار والمعاني والقيم والمفاهيم، التي أودعها الله في كل لون من الألوان، وبات علم الألوان علماً مترامي الأطراف، يدرّس في أرقى الجامعات العالمية ومراكز البحوث والدراسات، بل تطور هذا العلم ليغزوا حتى كليات الطب والعيادات النفسية، وأضحى من أنواع الاستشفاء المشتهرة، عالمياً، العلاج بالألوان، حتى قال أحد علماء النفس وهو أردتشام : \"إن تأثير اللون في الإنسان بعيد الغور وقد أجريت تجارب متعددة بينت أنّ اللون يؤثر في إقدامنا وإحجامنا ويشعر بالحرارة أو البرودة، وبالسرور أو الكآبة، بل يؤثر في شخصية الرجل وفي نظرته إلى الحياة\" .

دعونا ندلف إلى بعض أسرار هذا العلم، لا لنستورده من وراء البحار والمحيطات، كلا، إنّما لندلف إلى بعض أسراره وجوانبه من خلال كتاب ربنا، جل وعلا، فلدينا ثروة علمية كبيرة وعظيمة مخزونة في ثناياه، علمها من علمها وجهلها من جهلها.

تحدث القرآن العظيم عن هذا العلم، وأشار إليه إشارات عابرة يدركها أولوا الألباب والبصائر، ما لو جمعت هذه الآيات لكانت كافية بالغرض، مبينة وموضحة لكل خفايا وزوايا هذا العلم الذي بدأت كثير من جوانبه تتشكل وتتبلور في عصرنا.

من الإشارات القرآنية إلى هذا العلم، قوله تعالى: {قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ}البقرة69.

نلحظ في الآية الكريمة الإشارة القرآنية إلى اللون الأصفر، وأنّ البقرة التي امتحن الله بها بني إسرائيل لذبحها، بعد أن شددوا على أنفسهم في السؤال والتنطع والتكلف، كعادتهم، فشدد الله عليهم، وطلب منهم – عز وجل- أن تكون هذه البقرة ذات لون أصفر، فاقعا، تسر الناظرين!!.

ومن الثابت علميًا أن اللون الأصفر هو أقوى الألوان وأبرزها وأظهرها وأنفذها، على الإطلاق، كما أنّ في اللون الأصفر إيحاءات نفسية في الانجذاب إليه والحب له، ولذا يحرص الباعة وتجار الإعلانات على استخدام هذا اللون في إعلاناتهم لما له من جذب وتقبل في نفس المستهلك، دون غيره.

يقول العلامة القرطبي: \"قوله: (صفراء) جمهور المفسرين أنها صفراء اللون، من الصفرة المعروفة، قال مكي عن بعضهم: حتى القرن والظلف. (الجامع لأحكام القرآن: 1/450).

وردّ العلامة القرطبي قول الحسن البصري أن المراد بالصفرة هنا السواد، فقال: \"شاذ لا يستعمل مجازا إلا في الإبل، قال الله تعالى: (كأنه جمالة صفر) [ المرسلات: 33 ] وذلك أن السود من الإبل سوادها صفرة. (الجامع لأحكام القرآن: 1/450).

ولست أدري كيف ذهب الشيخ طنطاوي جوهري - المعروف بعلميته وفكره المستنير- في كتابه التحرير والتنوير، إلى القول بأنه إنما كان السرور بالبقرة ذات اللون الأصفر، نافياً السرور بذات اللون الأصفر، حيث قال: \"وهذا اللون من أحسن ألوان البقر فلذلك أسند فعل {تسر} إلى ضمير البقرة لا إلى ضمير اللون، فلا يقتضي أنّ لون الأصفر مما يسر الناظرين مطلقاً\" (التحرير والتنوير: 1/341).

وهو استنباط حسن، معتمد على لغة العرب وبيان القرآن العظيم، إلا أنّ ما رآه الشيخ طنطاوي جوهري، أحسب أنه غير وجيه، لأنّ الله تعالى بيّن في غير ما آية من كتابه الكريم، أنّ اللون الأصفر يعد سبباً للسرور والانشراح والانجذاب، ومجموع الآيات الآتية تدلنا على أنّ ثمة خاصية وتأثيراً للون الأصفر على النفس البشرية، يجب الوقوف عنده، كقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ} الزمر21.

وقال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}الحديد20.

حيث جعل سبحانه وتعالى الدنيا ذات الألوان المصفرة، سببا للغرور والفتنة، مما يدل بوضوح وجلاء أنّ القرآن العظيم إنما اختار اللون الأصفر، لأنه محل سرور النفس وراحتها وبهجتها، بخلاف غيره من الألوان، مما يجعل لهذه الألوان مذاقاً جديداً وإحساساً فريداً يأخذ بمجامع النفس والروح، لا يدركه إلا من ذاق لذة التدبر والتأمل في كتاب الله الكريم.

ومن المهم هنا إضافة إلى ما سبق، الإشارة في هذا السياق إلى أنَ للّون الأصفر استعمالات ودلالات كثيرة في القرآن العظيم، كالتوهج المنذر بالخوف والهلع والجزع والإحاطة من كل مكان، كما قال تعالى: {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ }الروم51.

ومن الضرب السابق أيضاً قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً } الكهف31.

وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}الأنعام99.

وكقوله تعالى: {مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ }الرحمن76.

فتأمل ما في اللون الأخضر من الموحيات العظيمة الدالة على الحيوية والنعمة والجمال والسؤدد والبركة والخير والسعادة، التي لا توصف.

إن الألوان المختلفة والمتعددة التي لا تحصى ولا تعد لهي دليل قاطع على قدرة الله وعظمته، الذي نوّعها وعدّدها وشكّلها فصوّرها وأبدعها، فأحسن تصويرها وإبداعها، فتبارك الله أحسن الخالقين، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ }الروم22.

ولله در الإمامين محمد الأمين الشنقيطي والشهيد سيد قطب، فقد كشفا شيئا من اللثام عن موضوع الألوان في القرآن العظيم، وهناك طرفا مما قالاه:

قال العلامة صاحب أضواء البيان: \"لا شك أنّ اختلاف الألوان والمناظر والمقادير والهيئات وغير ذلك - فيه الدلالة القاطعة على أن الله جل وعلا واحد، لا شبيه له ولا نظير ولا شريك، وأنه المعبود وحده، وفيه الدلالة القاطعة على أن كل تأثير بقدرة وإرادة الفاعل المختار، وأن الطبيعة لا تؤثر في شيء إلا بمشيئته جل وعلا\" . (أضواء البيان: 2/472).

أما شهيد الإسلام سيد قطب فقد أسهب في ظلاله إسهابا طويلاً في الحديث عن علم الألوان ودلالاته الإيمانية فقال كلاما رائعا وعظيماً، ومن ذلك بعض ظلاله العلمية والأدبية، في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ} فاطر27.

حيث قال طيب الله ثراه في الآية الأنفة الذكر:

\"إنها لفتة كونية عجيبة من اللفتات الدالة على مصدر هذا الكتاب، لفتة تطوف في الأرض كلها تتبع فيها الألوان والأصباغ في كل عوالمها، في الثمرات، وفي الجبال، وفي الناس، وفي الدواب والأنعام، لفتة تجمع في كلمات قلائل، بين الأحياء وغير الأحياء في هذه الأرض جميعاً؛ وتدع القلب مأخوذاً بذلك المعرض الإلهي الجميل الرائع الكبير الذي يشمل الأرض جميعاً\" . (ظلال القرآن: 6/149).

ويستطرد سيد قطب، فيقول: \"وألوان الثمار معرض بديع للألوان يعجز عن إبداع جانب منه جميع الرسامين في جميع الأجيال، فما من نوع من الثمار يماثل لونه لون نوع آخر، بل ما من ثمرة واحدة يماثل لونها لون أخواتها من النوع الواحد، فعند التدقيق في أي ثمرتين أختين يبدو شيء من اختلاف اللون..!\" (ظلال القرآن: 6/149).

ثم يخلص رحمه الله إلى تقرير حقيقة كبرى وهي أنّ الجمال بالألوان والأشكال والطعوم والخلق والإبداع حقيقة مقصودة في خلق الكون والإنسان والحياة. (الظلال: 6/150) .

قلت: ولعلّ الزمن القادم يفصح عن بعض الأسرار التي كشفها القرآن العظيم، عن الألوان وما فيها من بديع صنع الله وقدرته وآلائه، وبعض جماله وجلاله وكماله، وما أودعها –عز وجل- من أسراره ولطائفه، سبحانه وتعالى،، والحمد لله ب العالمين،،

Moafa12@hotmail.com


في الأحد 17 مايو 2009 05:20:41 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.org/articles.php?id=5335