المقاوم النذل
علي العقيلي
علي العقيلي
  

تقدم إيران نفسها باعتبارها رأس ما تسميه "محور المقاومة"، وتقدم أذرعها المسلحة في عدد من الدول العربية باعتبارها قوى تواجه الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن الشعوب العربية كانت، خلال سنوات طويلة من الصراعات، هي التي دفعت الثمن الأكبر لهذه المشاريع والشعارات.

 

في اليمن والعراق ولبنان وسوريا، تحولت الأوطان إلى ساحات مفتوحة للصراعات الإقليمية، ودفع المواطن ثمنًا من أمنه واقتصاده ومستقبله، بينما بقيت الشعارات كبيرة وصاخبة، والنتائج على الأرض أكثر قسوة.

 

فأي مقاومة تلك التي تجعل الشعب الذي تزعم الدفاع عنه أحد أكبر ضحاياها؟ وأي مشروع تحرر هذا الذي لا يجد، عند اشتداد الأزمات، إلا اليمني والعراقي واللبناني والسوري والعربي عمومًا ساحة لتصفية الحسابات؟

 

تكمن النذالة السياسية في أن بعض الأذرع المسلحة لا تتحرك وفق مصالح البلدان التي توجد فيها، بل تتحول تلك البلدان إلى أوراق ضغط في صراعات أكبر منها.

 

كلما اشتد الضغط على طهران، ارتفعت حرارة الجبهات في مكان آخر. وكلما تصاعد التوتر، تحركت الصواريخ والطائرات المسيّرة من أراضٍ عربية، فيما يبقى المواطن العربي هو الذي يدفع الثمن.

 

وهنا لا يصبح السلاح أداة دفاع عن الوطن، بل وسيلة لإرسال الرسائل السياسية؛ رسالة في صراع إقليمي يدفع ثمنها اليمني، ورسالة يدفع ثمنها العراقي وأخرى اللبناني، بينما يبقى صاحب الرسالة الحقيقي بعيدًا عن الركام.

 

المفارقة الأكثر وضوحًا أن السعودية عادت إلى العلاقات الدبلوماسية مع إيران وفتحت بابًا للتواصل، في وقت ظلت فيه المنطقة تعاني من آثار سياسات طهران وأذرعها المسلحة والتوترات التي تثيرها.

 

فعندما تحتاج طهران إلى تخفيف التوتر أو فتح باب سياسي، تكون الدبلوماسية أحد المسارات المتاحة، في الوقت الذي هي فيه وبعض أذرعها المسلحة تستخدم السلاح والتهديد ضد السعودية ودول الخليج، وتعمل على تحويل المنطقة إلى ساحات رسائل وضغط.

 

السعودية ليست مسؤولة عن العقوبات الأمريكية على إيران، ولا عن الصراع بين واشنطن وطهران، ومع ذلك تحولت في مراحل مختلفة إلى هدف للضغط والاستهداف.

 

وهنا تظهر إحدى أبرز صور "المقاوم النذل"، أن يستغل حرص السعودية ودول الخليج على الاستقرار وتجنب الحروب المفتوحة، لا ليصنع سلامًا، بل ليحصل على مساحة جديدة للمناورة والضغط.

 

فبدل أن تُقابل المرونة بالمرونة، والدبلوماسية بالدبلوماسية، تتحول في حسابات بعض القوى إلى فرصة لمزيد من الاستهداف والتهديد.

 

كلما فُتح باب للحوار، لم يكن ذلك يعني بالضرورة أن السلاح خرج من الحسابات، وكلما قُدمت فرصة لتخفيف التوتر، بقيت المنطقة رهينة تهديدات يمكن تحريكها في أي لحظة لخدمة حسابات لا علاقة لها بأمن الشعوب العربية.

 

فالدولة التي تضبط رد فعلها حرصًا على الاستقرار قد تُفسَّر مرونتها، في حسابات الجماعات المسلحة، على أنها ضعف. والدولة التي تفتح باب الحوار قد تجد نفسها أمام طرف يستغل الحوار لالتقاط الأنفاس والاستعداد لجولة جديدة.

 

وفي اليمن، تتجلى الصورة بصورة أكثر مأساوية.

فالحكومة الشرعية، رغم ما واجهته من حرب وانقلاب وخسائر بشرية واقتصادية هائلة، ظلت تتحرك باعتبارها دولة مقيدة بالقانون والالتزامات والاعتبارات السياسية والإنسانية، بينما تعاملت جماعة الحوثي مع ذلك باعتباره مساحة أوسع للحركة والتصعيد.

 

إن احترام الدولة للقانون ليس ضعفًا، وعدم الرد على كل انتهاك بالطريقة نفسها ليس عجزًا، لكن المشكلة تبدأ عندما يفسر الطرف الآخر الالتزام بالقانون على أنه خوف، وضبط النفس على أنه فرصة لمزيد من التمادي.

 

وهكذا يصبح التزام الحكومة بالقانون، في مواجهة جماعة مسلحة لا تؤمن بمنطق الدولة، نقطة تُستغل للتمادي بدل أن تكون فرصة لإنهاء الحرب.

 

والأكثر قسوة أن استهداف اليمنيين ومدنهم ومصالحهم يتحول، في الخطاب الإعلامي والدعائي، إلى مادة للتفاخر واستعراض القدرات العسكرية.

 

فكلما دوى انفجار، وكلما عاش المدنيون ساعات من الخوف، وكلما تعطلت الحياة أو تصاعد القلق، خرجت آلة الدعاية لتتحدث عن القوة والتطور والقدرة على الوصول.

وكأن معيار القوة لم يعد حماية الناس، بل القدرة على إخافتهم، بل وقتلهم وتدمير مصالحهم.

 

وكأن الإنجاز العسكري لا يكتمل إلا عندما يشعر المدني بالأرق والخوف والذعر.

هذه ليست قوة دولة تحمي شعبها، بل منطق جماعة ترى في قلق المدنيين جزءًا من إنجازها الدعائي، وتتعامل مع إثارة الرعب والذعر والضجيج الإعلامي باعتبارها دليلًا على ارتفاع قدراتها العسكرية.

 

هناك فرق كبير بين القوة العسكرية وبين صناعة الضجيج الإعلامي.

القوة الحقيقية تقاس بقدرة الدولة على حماية مواطنيها، وتأمين مدنها، وحفظ مصالح شعبها، وبناء اقتصادها ومؤسساتها.

 

أما أن تتحول أصوات الانفجارات والطائرات المسيّرة والصواريخ إلى مادة احتفال، وأن يُقدَّم خوف الناس باعتباره دليلًا على ارتفاع القدرات العسكرية، فذلك يكشف عن أزمة في مفهوم القوة نفسه.

 

إضافة إلى ذلك تستخدم مليشيا الحوثي استهدافها للمدنيين كورقة ضغط لتحقيق مكاسب عسكرية أو محاولة إيقاف نجاح عسكري أو أمني أو اقتصادي للحكومة الشرعية.

 

في اليمن، لم يكن المواطن البسيط طرفًا في صراعات النفوذ الإقليمية، لكنه وجد نفسه في قلب الحرب.. قُتل ويُقتل يمنيون، نزح وينزح يمنيون، وخسر اليمنيون أعمالهم وممتلكاتهم، وتعرضت مصالحهم الاقتصادية للضرر، بينما استُخدمت شعارات كبرى لتبرير سياسات وممارسات يدفع المواطن العادي ثمنها كل يوم.

 

وفي العراق، تبرز المشكلة ذاتها في العلاقة بين الدولة والسلاح، عندما يتحول وجود فصائل مسلحة مرتبطة بمشاريع وحسابات تتجاوز القرار الوطني إلى سؤال دائم حول السيادة ومن يملك قرار الحرب والسلم.

 

فالعراق، الذي عانى لعقود من الحروب والحصار والإرهاب والانقسام، يحتاج إلى دولة قوية تحتكر قرار الحرب والسلم، لا إلى أن يتحول مرة أخرى إلى ساحة تُطلق منها الرسائل وتُدار فيها صراعات الآخرين.

 

والمشكلة ليست في حق أي شعب في الدفاع عن نفسه، بل في اختطاف قرار الشعوب باسم شعارات أكبر منها.

 

حين يصبح المواطن العربي مجرد وقود، ويصبح الوطن منصة، وتصبح السيادة تفصيلًا صغيرًا أمام مصالح الآخرين، فإننا لا نتحدث عن مقاومة تحررية، بل عن مشروع يستخدم المقاومة غطاءً.

 

وهنا تحديدًا يظهر المقاوم النذل، ذلك الذي يرفع شعار تحرير فلسطين، لكنه لا يجد مشكلة في تدمير المدن العربية وقتل أبنائها.

 

وذلك الذي يصرخ ضد الهيمنة الأجنبية، لكنه يريد أن تكون بلاده خاضعة لهيمنة قوة إقليمية أخرى.. وذلك الذي يتحدث عن كرامة الأمة، لكنه يسلب المواطن كرامته.

 

المقاومة الحقيقية يفترض أن تمنح الشعوب شعورًا بالأمان والكرامة، أما "المقاوم النذل" فهو ذلك الذي يجعل شعبه يخاف منه أكثر مما يخاف من العدو الذي يدّعي مقاومته.


في السبت 15 أغسطس-آب 2026 07:47:06 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://marebpress.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.org/articles.php?id=48454