الشهيد.. ابو الشهداء.. رحيل من نوع آخر
د. ضيف الله بن عمر الحداد
د. ضيف الله بن عمر الحداد

   

طلب مني العديد من الإخوة والأصدقاء أن اكتب عن أخي وابن عمي الاخ المجاهد والقائد الفذ الشهيد ووالد الشهداء الشيخ العميد عبدالواحد بن دوكر بن عبدالرحمن الحداد قائد اللواء الثاني حماية طرق. ولقد ترددت كثيرا عن الكتابة عنه لأنني أعلم أنه مهما كتب عن هذه الشخصية الفذة فلن توفى حقها.

ولكن غالبت أحزاني واستعنت بربي وخططت ببناني ما استطاعه مداد قلمي ودمعاتي تسبق كلماتي وعبراتي تخنق افكاري عندما اكتب عن نبض الروح وبلسم الفؤاد ورفيق الدربذ وأخ تمنيت لو فداه الروح والولد والمال لكنها مشيئة الله التي لا تغلب

انرحل لا الأحباب من فيضك ارتوت

         ولم يرو من عذب الإحاديث معشر.

لقد ودعت محافظة مارب والجمهورية علما من اعلامها وركنا من أركانها وفارسا شهما من فرسانها الشهيد ووالد الشهداء وأخ الشهداء الشهم الكريم الشجاع الجواد المصلح المجاهد البطل الذي يعرفه عدوه أكثر من صديقه

وتشهد له ساحات الوغى وميادين النزال كما تشهد له بيوت الله ومحاريب العبادة وبيوت المحتاجين. كريم بكاه الضعفاء والمظلومون كما بكاه أهله وذويه واختاره الله إليه في اشرف المهمات وأنبلها وهو يحمي الطريق للضعيف وعابر السبيل ويؤمنها من قطاع الطرق الذين تلوثت دماؤهم بالسحت ونبتت أجسادهم على المال الحرام وخلت قلوبهم من معاني الرحمة والقيم الحميدة والأخلاق الفاضلة وويكفيهم شؤما أنهم محاربون لله ولرسوله وللمؤمنبن وأن حدهم في شرع الله الحرابة. لا أدري بماذا أبدا وماذا أخط وأي لفظ أسطر به مقالي!!!

جف المداد وعجز القلم أن يكتب ما يجيش به الخاطر ويخالج الصدر وعجم اللسان عن قول ما يدور في طيات الفؤاد ولا يمكن أن يحدث هذا الأمر إلا في المواقف التي يكون فيها الحدث أعظم من خيال الكاتب والسكوت أبلغ مما يتلفظ به اللسان وبخطه البنان.

كيف لا يكون كذلك ونحن نكتب عن قائد من أنبل القادة وشخصية فذة ونادرة جادت بكل شيء في سبيل تحقيق الهدف الذي تصبو إليه وتنشده وعن رجل سمت روحه وعلت همته ليحمل بين أضلاعه العوج وفي جنبات صدره مصير وطن وإرادة أمة ويبذل بنفس سخية كل ما يملك من وقت وولد وأخ وصاحب ومال وسلاح فداء للوطن الذي تربى فيه وترعرع فيه ووله بحبه الثمالة وآخرها جاد بدمه ومهحته فداء لدينه ووطنه ودفاعا عن القيم التي تربى عليها لسان حاله:

نجود بالنفس إن ضن البخيل يها

      والجود بالنفس أسمى غاية الجود.

ليث الحروب وأسد المعارك وفارس الكلمة القوال بالحق والذي لا يخشى في ذلك لومة لائم وناصر المظلومين والمضهودين وعملاق المواقف العظيمة علو في الحياة وفي الممات بحق تلك إحدى المكرمات وللمفارقة لم يكن البطل الذي انتصر للحق وضحى لاجل الوطن وسال دمه حفاظا على مبادئ الجمهورية

وحلقت روحه إلى عنان السماء شموخا واعتزازا بالمبادئ التي تربى عليها وانتصر لها قبله رفاق دربه من أبطال اليمن وأحراره العظماء لم يكن ممن نبت لحمه وقوي عظمه على مكاسب الدولة ووظائفها ولم يكن يوما من الأيام ممن يسابق أو يصارع على فتات المصالح الزائفة والمناصب الزائلة بل كان عزيز النفس شامخ الرأس يأكل من كسب يده ومن ريع مزرعته وتربى في كنف قيل عظيم من أقيال اليمن العظام وملوكها الكرام فوالده القيل اليماني المأربي الشيخ دوكر بن عبدالرحمن بن دوكر بن عمر الحداد والذي رباه على الشجاعة والإقدام وغرس في روحه عزة النفس وعلو الهمة والوقوف مع الحق ومناصرته مهما كان الثمن ولا يعرف عن والده إلا نصرة الحق وأهله لم يعرف عنه أنه خذل مظلوما أو قرع باب حاكم أو طلب مقابلا للمواقف الكبيرة التي كان يتبناها جزاء ولا شكورا حتى توقاه الله عزيزا كريما مهاب.

المقام والجانب وورث الشهيد عن أبيه كل هذه الصفات النبيلة والقيم العظيمة وسار عليها وثبت حتى اختاره الله شهيدا مجيدا.

لقد أكرم الله الشهيد بصفات عظيمة حيث اتصف الشهيد القائد البطل بصفات قلما توجد في قائد مثله فهو : قائد عسكري محنك ومنضبط .. ومقاوم شرس وعنيد مضحي بالمال والولد والنفس وشيخ قبلي عارف و سخي ومصلح اجتماعي يبذل جاهه ووقته وماله للإصلاح بين الناس. كما كان بطلا من ذوي الصولات والجولات بعيداً عن عدسات الكاميرا وتلميع ذوي الدفع المسبق. لقد جمع الشهيد الصفتين القبلية والعسكرية في لثامة بندق واحدة فكان العميد القائد العسكري في واجبه ومهامّه الرسمية كما كان الشيخ المقاوم في مجمل واجبه الوطني والإجتماعي...

كان تقبله الله نموذجا نادرا في الإخلاص لم يوفر غالي من الأولاد والأموال والأصحاب إلا بذله ولا يحبّذ الظهور الإعلامي ولا يسعى إليه. فهو القائد الذي يحشد للمعركة بصفته العسكرية والشيخ القبلي الذي يحرك القبيلة ورجالها ويحمي الثغور بصفته القبلية ووجاهته الاجتماعية. وكانت حياته كلها مواقف وبطولات والحقيقة أنه لو كان للشجاعة والتضحية والإقدام كتاب لكان الشهيد أحد عناوينها الكبار فمنذ طفولته تربى على حب الجمهورية والدفاع عن قيمها والحفاظ على مبادئها وشارك في بداية شبابه في ترسيخ مداميكها.

ولما توجه الحوثي بمجاميعه تجاه محافظة الجوف في 2011م كان للشيخ الشاب حينها موقفا قويا يعرفه كل من خاض غمار تلك المعركة ولم يفارقها حتى حكم الله بين الأبطال وبين العدو الحوثي وتجددت المعارك في 2014م في الصفراء والجفرة فتحرك البطل بنفسه ورجاله وسلاحه وفيها استشهد ولده الأكبر نصر بن عبدالواحد رحمه الله وتقبله في الصالحين وتوقفت الحرب هنيهة فلم يغمد الفارس سيفه ولم يجد مجالا للراحة بل تحرك إلى منطقة نخلا وهناك أسس مع بقية مشايخ مارب وأحرار اليمن مطارحها واستقر به المقام فيها وصال وجال في اطرافها منظما ومدربا وداعما بالمال والسلاح والرجال حتى تفجرت المعركة في مارس من عام 2015م

فأوكلت إليه العديد من المهام المختلفة في مختلف جبهات القتال ابتداء من صرواح وحتى معركة الجفينة الشهيرة وما بعدها والتي خاضها مع بقية القادة الأبطال من رفاق الدرب وزملاء السلاح فكان على مستوى الحدث والمسؤولية مقاتلا صنديدا ومحاربا عنيدا ومنظما ومخططا ولم يغادر الجبهة حتى هزم الله العدو وأتم الله النصر وحينها استشهد برفقته ولده الثاني مشعل بن عبدالواحد وابن عمه وعدد من رفاقه تثبلهم الله ولم تلن له قناة ولم تهتز له شعرة ولم يسكن له جانب حتى اندحر العدو وعاد إلى تخوم صرواح وصنعاء ذليلا مدحورا مهزوما.

لقد كان للشهيد القائد عبدالواحد بن دوكر موقف ثابت عرف به منذ بداية الانقلاب المشؤؤم وهو يقارع المليشيا ويواجه أولئك البغاة بكل ما يستطيع وقاد كثيرا من المعارك بنفسه وفي ميدانها كان يتحرك وكأنه فرد من الأفراد فتراه لحظات وهو في المتارس وبرهة وهو يستطلع وبرهة وهو يوزع الذخائر وتارة وهو يضحك ويمازح الأفراد.

ولا يذكر حدث من احداث هذه الحرب ولا فصل من فصولها إلا وفيها للشهيد بصمة وأثر. في شهر اغسطس 2020م التف العدو على مارب من جهة الصبايغ والنضود وكلف الشهيد وبعض القادة الأبطال وقتها بقيادة الجبهة هناك فتحرك البطل لتنفيذ المهمة التي أوكلت إليه وجرح في رجله فرفض المغادرة وتوفي حينها والده الشيخ دوكر واستشهد كذلك ابن عمه وأحب الناس إلى قلبه القائد محمد بن عمر وولده عمر فرفض القائد الرجوع للعزاء وقال كلمته المشهورة:

العزاء في المتارس والجيهات. وخاض الشهيد المعركة مع رفاق دربه حتى ازاح الله العدو عنهم لمسافة أكثر من 70كم واستشهد فيها ولده الرابع علي وعدد من ابناء عمومته لسان حاله:

وإنا لقوم لا نرى الفتل سبة

         إذا ما رأته عامر وسلول

تسيل على حد السيوف نفوسنا

      وليس على غير السيوف تسيل

واسيافنا في كل شرق ومغرب

     بها من قراع الدارعين فلول

معودة ألا تسل نصالها

       فتغمد حتى يستباح قببل

إذا مات منا سيد قام سيد

     قؤوللما قال الكرام فعول

وفي قادسية العصر الكسارة كان من قادتها الكبار وابطالها الكرام وليوثها العظام حيث استقر له بها المقام وطاب له الطعان

وقال قولته المشهورة: على الحوثي أن يرسل زنابيله وعلينا أن نرجعهم مصندقين وهناك حيث الأسود تلتقي الضباع الغازية وعلى ترابها الطاهر كسر الله على يد الشهيد ورفاقه جحافلهم ومزق جبوشهم.

ومن المواقف المشهورة في ليلة من ليالي الكسارة الشهيرة عاد الشهيد إلى بيته لزيارة أهله بعد انقطاع طويل وغياب لأسابيع وهو في مواقعه لم يخرج منها لضراوة المعارك التي تشيب لهولها الولدان فما إن وصل بيته حتى سمع جهاز النداء وهو يعلن بدء هجوم للعدو على الكسارة فانطلق عائدا من بيته قاطعا زيارة أهله وماهي الا لحظات واذا بالقائد بين رجاله يرفع معنويات المقاتلين ويشحذ هممهم ويمدهم بما يحتاجونه من ذخيرة وسلاح وتوجيهات.

ومن صفاته النبيلة أنه كان يتصرف داخل المعركة وكأنه فرد من الأفراد إن طلب منه افراد للمهمة كان هو أولهم،.

يخبرني أحد مرافقيه ذات مرة وهو في بعض المواقع في جيهة صرواح والعدو متحصن في بعض التباب والمعركة على اشدها فكان يرفض أن يكون راميا لعيار الكرد غيره وأصر الجنود أن يكون الرامي احدهم ولكن القائد رفض ذلك وأصر أن يكون هو الرامي فكان له ما أراد.

لقد كان هذا العملاق يواصل الليل بالنهار يقظا دون أن ينام أو يرتاح حتى لا يجد العدو فرصة أو ثغرة ليحقق مآربه وغاياته لقد كان الشهيد ممن يغيب وقت المغنم ويحضر في المغرم ومدرسته وجامعته وتجارنه ومكاسبه هو ميدان المعركة لا سواه وهدفه المنشود هو الكرامة والعزة لمارب وأهلها وضيوفها والمحافظة على ما بقي من دولة لليمنيين تحافظ على كرامتهم وتحمي حقوقهم. استشهد ابناؤه الأربعة ولحق بهم والدهم في ليلة كان متبتلا في محرابه عابدا لربه وقيام الليل هو شغله الشاغل قبل ابتدائها حتى تفجرت المعركة وحينها قام البطل بنفسه ورجاله مهاجما لمواقع المخربين وقطاع الطرق حتى أزاحهم عن مواقع كانوا يستغلونها لابتزاز الدولة والمسافرين وقتل منهم وجرح الكثير من عتاولتهم أما البطل الشهيد

فقد اختاره الله شهيدا مجيدا محاربا للخلايا الداخلية التي لا تقل خطورة عن العدو الخارجي فهي من يسهل له ويخطط له ويعمل على توصيل ما يحتاج إلبه من خبراء واستشاريين وسلاح ومال ويطعنون المقاومة في الظهر في وقت حرج تتجه فيه بنادق الأبطال إلى العدو الحوثي المتربص. لم يكن الجانب العسكري هو السمة الوحيدة التي اتسم بها الشهيد

فلقد كان مدرسة في الاخلاق الحميدة والقيم الفاضلة وكان كتابا كل فصوله تضحية وشجاعة ووفاء، وإقدام وبذل وعطاء وخدمة للضعيف ونصرة للمظلوم. قبل استشهاده بليلة أتاه بعض الإخوة المهاجرين إلى مارب والمستقرين بقريتنا يخبره أن مشروع الماء منعطل وأن عشرات الأسر بدون ماء وكان الوقت متأخرا الساعة 11 مساء وأنا حاضر للقصة بنفسي فنزل بنفسه لإصلاح مشروع الماء ولم يغادر المكان حتى أوصل الماء لهم إلى كل بيت. هذا غيض من فيض ولو كتبت مجلدات في سيرته فلن نوفيه حقه رحم الله القائد الشيخ عبدالواحد بن دوكر الحداد رحمة واسعة وأبلغه منازل الشهداء وجمعنا به ثابتين على الحق والدين والحمدلله رب العالمين


في الثلاثاء 14 سبتمبر-أيلول 2021 04:58:52 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.org/articles.php?id=45636