فرصة جديدة للأمل ..!!
د . عبد الوهاب الروحاني
د . عبد الوهاب الروحاني

بعد أن نالت الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة (بحاح) ثقة مجلس النواب، الاطول عمراً في تاريخ المجالس النيابية أو البرلمانات العربية والعالمية، وبعد أن خضع برنامجها في جزء منه لنقاشات ساخرة وحامية تحت قبة البرلمان، لابد للحكومة أن تفكر جيداً في الآم ومعاناة الناس وظروفهم المعيشية، وتعمل بشيء من الجدية للقضاء على الأوجاع التي تمس الكرامة والسيادة الوطنية.
فالمهم هنا، ليس في منح الحكومة الثقة، ولا في نوعية برنامجها المقدم للبرلمان، ولا في النقاشات التي دارت حوله، فتلك اجراءات روتينية تتكرر عند تشكيل الحكومات وتقديم برامجها، ولكن المهم هو ما الذي في امكان الحكومة فعله بعد نيلها الثقة .. في ظل ظروف معقدة ومأساوية تعيشها البلاد ؟!!.
الحكومة التزمت في برنامجها بتحقيق (معجزات) كبيرة تضمنت :
- توفير الأمن والاستقرار لكل أبناء الشعب !!.
- إقامة مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية في كافة \"الأقاليم\" !! .... مع ان البلاد لم تقسم بعد إلى أقاليم، ولا تزال وفقا للدستور السائد تعمل بنظام المحافظات.
- مكافحة الإرهاب ومواجهة مخاطر القاعدة أينما وجد ..!!!.
- مكافحة التهريب بكافة أنواعه ...\" .. الخ.
عناوين كبيرة وبارزة أعلنت الحكومة الالتزام بتنفيذها، لكنها بالتالي لم تبين كيف ستنفذها، ولا نوعية الاليات التي ستستخدمها للتنفيذ، وإنما اكتفت بعبارات فضفاضة عامة، (ربما) لم يلتفت لها رئيس الوزراء، كما لم يتنبه لها مجلس النواب بحكم العادة التي اتبعها خلال (13)) عاما من عمره المديد إن شاء الله.
كان بإمكان الحكومة، وقد ضمت نخبة من الناشطين والناشطات الذين خبروا العمل مع المنظمات الدولية في إعداد البرامج العملية والمباشرة ان تكتفي بتقديم \" وثيقة السلم والشراكة \" كبرنامج لعملها، فهي وثيقة عملية وجادة، وفي اطارها يمكن التركيز فقط على أربع نقاط هامة تتمثل في:
1. استعادة هيبة الدولة وعودة الجيش والأمن للعب دوره الوطني في المؤسسة والشارع بعيداً عن الحديث عن \"بناء الجيش على أسس وطنية...الخ\"، لأن الموضوع بحاجة - على الاقل - الى مال ووقت .
2. تأمين توفير الخدمات الضرورية والأساسية للمواطنين من كهرباء ومياة، وغاز، وبنزين .
3. الاستفتاء على الدستور، والتهيئة للاستحقاقات الانتخابية (برلمانية ورئاسية).
4. وقف نزيف الفساد، في أجهزة ومؤسسات الدولة، فهو جوهر المشكلة اليمنية.
هذا ما كنت اتمناه لحكومة رئيس الوزراء الجديد خالد بحاح، ولم اكن اتمنى له وهو لا يزال على قدر من التحمس والحيوية أن يقدم برنامج حكومته محشوا بأماني ووعود وتعهدات قاطعة مانعة بتحقيق انجازات لن ترى النور .. لأن الواقع الذي تعيشه البلاد والذي تشكلت في ظله حكومته، أسوأ حتى من الواقع الذي تشكلت في ظله حكومة باسندوه.
فعندما تشكلت حكومة با سندوه كان ظل الدولة لا يزال موجودا، والجيش والأمن كانا لا يزالان ثابتين في مواقعهما، وكانت القاعدة (انصار الشريعة) لا تزال بعيدة عن صنعاء وذمار والبيضاء، ولم تكن تتحرك وتفجر بحرية في شوارع العاصمة وإحيائها، كما أن الحوثيين (انصار الله) لم يكونوا قد سيطروا لا على عمران ولا على صنعاء، والحديدة، ولم تكن لهم بعد نقاط تفتيش في شوارع العاصمة، ولم يكونوا يتولون حراسة وحماية رئاسة الوزراء ومؤسسات الدولة، أما الآن فقد أصبحت \"الدولة\" - ان جاز التعبير- خارج اللعبة.
وما نعنيه هنا، هو إن المهمة ستكون في غاية الصعوبة أمام الحكومة، فالسلاح يسيطر في الشارع والمؤسسة، والحكومة نفسها محكومة بقوانين وأنظمة ورغبات وأهواء سياسية وحزبية لا علاقة لها بقوانين وأنظمة الدولة.
فإذا كانت مواقع المنشآت النفطية والغازية، ومحطات توليد الطاقة الكهربية، والوزارات والمؤسسات التي يدير رئيس الوزراء والوزراء والمحافظون اعمالهم منها تحت قبضة وسيطرة المليشيات المسلحة (حوثية، وحزبية، وحراكية)، بينما المؤسستان العسكرية والأمنية في حالة تفكك وانهيار تام .. فكيف يمكن للحكومة ان تعمل على تنفيذ هذه التعهدات العملاقة وهي محاصرة بين قوى ورغبات مجنونة لا ترى الحل إلا عبر المفخخات وفوهات البنادق، ونصب الكمائن وتفجير وذبح المواطنين ؟!!.
يحلو لبعض المحللين \"السياسيين\" أو\" الاستراتيجيين\" الذين يظهرون على القنوات الفضائية وصف أي حكومة جديدة بأنها حكومة (استثنائية)، فحكومة (بحاح) في تحليلاتهم استثنائية - ولا نعترض على ذلك - لأنها اتت بعد توقيع وثيقة السلم والشراكة مع (انصار الله - الحوثيين)، وحكومة با سندوه كانت استثنائية أيضاً، لأنها جاءت بنتيجة ازمة 2011م، ومبادرة خليجية ورعاة دوليين، ومن قبلها كانت حكومات (مجور، و باجمال، والارياني، وفرج بن غانم وعبد الغني- رحمهما الله- ومن قبلها حكومة العطاس)، كلها كانت حكومات استثنائية، لأنها جاءت بنتيجة ازمات، ولأن بلدنا - للأسف - استثنائي في كل شيء، فحكوماته تخلق له الازمات ان لم تكن موجودة، وهذا هو حال اليمن مع حكوماته السابقة واللاحقة للأسف.
ومشكلة هذه الحكومات \"الاستثنائية المتعاقبة، انها تتشكل وتقدم برامجها وتنال الثقة من البرلمان وتقضي فترتها المقررة وتغادر وهي لا تدري كيف دخلت ولماذا خرجت، ذلك لأن اعضاءها يجدون أنفسهم منذ اللحظة الاولى لجلوسهم على كراسي وزاراتهم غارقين في قضايا ثانوية لا علاقة لها بالمهام التي اشتملت عليها البرامج التي نالوا بموجبها الثقة، ولا علاقة للوطن بما يمارسونه من فوضى وفساد.
وهنا، لن نتشاءم بل سنترك للأمل فرصة، ونتمنى معه لحكومة الاستاذ (بحاح) أن تخرج وتتمرد على هذه التوصيفات، وتتميز بوصفها حكومة كفاءات، يجب أن تجسد هذا المفهوم على واقع الحياة العملية، وتبحث بل وتنقب عن الكفاءات الوطنية، وليس الكفاءات الحزبية أو القروية والمناطقية والجهوية، وبعيداً عن المحسوبيات والصداقات، وتعمل عبر وزاراتها على الكف ممارسة الفساد وإقصاء الفاسدين وتجاوز اعتبارات القرابة والولاءات الشخصية والحزبية الضيقة، حتى تنأى بنفسها عن الوقوع فيما وقعت فيه الحكومات السابقة، وتتمثل قيم المرحوم المهندس فرج بن غانم خلال رئاسته الحكومة (1997-1998) الذي جسد مفهوم الكفاءة والنزاهة ومارسها في ارقى وأجمل صورها، فكان ولا يزال هو القدوة التي يجب ان يحتذي بها الشرفاء والوطنيون من رجال الدولة في اليمن.
*رئيس مركز الوحدة للدراسات الاستراتيجية


في الأربعاء 24 ديسمبر-كانون الأول 2014 08:42:03 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://marebpress.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.org/articles.php?id=40844