الخريف اليمني
يحيى عبدالرقيب الجُبيحي
يحيى عبدالرقيب الجُبيحي

تمر المنطقة العربية اليوم.. بظروف وأوضاع مؤلمة، وغير مسبوفة بتاريخها الحديث، فالعواصف المدمرة باتت تضرب بحدودها وبقيمها وثوابتها وثرواتها.. وتوقظ مذاهبها وتباياناتها وتوجهاتها!! لتظهر تباعاً لذلك حفنة ضئيلة (إرهابية)لاتفقه الفارق بين الخمر والخل!! جاءت من الكهوف وهي تقتني أسلحة مذهبية قبل العسكرية.. لتقتلع الأقليات وتهجِّر أبناء الأرض أباً عن جد، وتمارس القتل عبر قطع الرؤوس والتمثيل بالجثث..

والمصيبة الكبرى أنها تقوم بهذه الابادة والأعمال الموحشة والإجرامية باسم الاسلام! لكن الاسلام الذي تدعيه هذه الفئة الضالة والمضلة، غير الاسلام الذي كان ولا يزال وسيظل أعظم مايفتخر به المسلم ويميزه عما عداه في كل زمان ومكان!! رغم حدوث بعض التأثير لدى من ليس لديه خلفية عن الاسلام الحق أو لدى من يستغلون هذا التشويه الغبي!

ـ لقد انطلقت ما يُسمى بـ.. ثورات الربيع العربي، لهدف تحقيق العدالة والمواطنة المتساوية، ولوضع حدٍ للديكتاتورية والأنانية والاستحواذ والفساد!!

ـ لكن غياب القيادات والاحزاب الصادقة والفاعلة، دفعت بشخصيات طارئة واحزاب أنانية ومعتقة، اضافة الى هذه الفئة الضالة والمضلة باختطاف هذه الثورات، لتعود الديكتاتورية والانانية والفساد بابشع مما كانت عليه قبلاً!! ثم وهو الأخطر ظهرت هذه الفئة التي تمارس الارهاب باسم الاسلام، بصورة أشد وأعمق وأقبح من فئات مماثلة سبقتها!

ـ أجل.. أصبحت المنطقة العربية تغرق في الهاوية وتسبح في بحر الظلام.. وكلها تعاني، حتى ولو وجد بعض التفاوت في حجم المعاناة وتنوعها من بلدٍ الى آخر؟!!

ـ ولذا.. لا غرابة إن ظلت (غزة) تتعرض لإبادة جماعية امام مرأى ومسمع العرب والعجم، بقدر ما تعرضت لظلم الجار وظلم ذوي القربى والبُعدى!! وما ذلك الا لأن أحداث (غزة) رغم حجم آلامها واحزانها لم تكن هي وحدها ما يُشغل الحكام العرب وبعض شعوبهم.. كونهم باتوا مصابون بمصائب قد تكون ببعضها أشد حدة وإلحاحاً.. لتصبح مذابح (غزة) مجرد مذبحة من المذابح التي أصبحت تشهدها بعض دول العرب خاصة دول مايسمى بالربيع العربي.

وربما هذا الجانب من بعض أسباب عدم اهتمام دول العالم المتحضر؟! بما عانت منه غزة ولا زالت!

ـ مع انه يستحيل على أية قوة في العالم بمافيها امريكا الراعية الحصرية لمذابح اسرائيل ضد الفلسطينيين ان تنال من الفلسطينيين ومن حقوقهم المشروعة والمغتصبة.. مهما كان الدمار الذي شاهدناه ، ومهما كان حجم التضحية، شريطة أن يكون الفلسطينيون جميعاً دون استثناء على قلب رجل واحد.. معتمدون بعد الله على أنفسهم وليس على أشقاء او أصدقاء والانتصار الذي تحقق في غزة مؤخرآ مهما كان حجمه خير دليل لمقولتي هذه.. فالعرب اليوم مصابون بهمومهم.. وحزب الله الذي بات بمثابة حراسة حدود لإسرائيل مشغول بإنقاذ توأمه النظام النصيري بسوريا.. وإيران الحاضرة بالمشهد العربي بقوة، كعامل مساهم في إثارة المشاكل والحروب المذهبية والاوضاع المخزية التي لم تعرف المنطقة معظمها قبل الثورة الخمينية.. مشغولة هي الاخرى بنجاحها في المفاوضات النووية.. حتى تتفرغ الى إثارة المزيد من المصائب والمصاعب للعرب، ثم الإمساك بحلول في سوريا ولبنان والعراق وغيرها على مقياسها!!

ـ أجل.. أصبحت المنطقة العربية اليوم تعاني من كل الوجوه خاصة دول مايسمى بالربيع العربي حتى بات خريفاً عربياً، وليس ربيعاً..

ـ لكنني سأركز هنا على (الخريف اليمني).. والذي يعاني من نفس معانات المنطقة، مضافا اليها معاناة خاصة به!!

فإذا كانت تلك الحفنة الارهابية اختطفت بعضاً من ثورات الربيع العربي، وهو ما ابتليت به اليمن ولاتزال وبصورة أشد كثافة وحدة، فانها ابتليت ايضاً بفئات وتوجهات وتصورات خاصة بها.

ـ فهاهي القبيلة التي ظلت في اليمن هي الملاذ الآمن لتماسك المجتمع، خاصة عند المصائب والمصاعب، تحولت ببعضها بعد ثورة الشباب الى مكونات ثورية دون وعي ولامعرفة بأبعاد ومهام ومتطلبات وشروط ماتعنيه الثورة والثورية.. وببعضها الآخرتحولت حفنة منها لممارسة القتل والخطف وتخريب الكهرباء وثروات الوطن.. وبتهجير الابرياء وهدم بعض المنازل والمدارس و المساجد، ومحاصرة المدن..وغيرها من الأعمال الموبقة! وهو ما ينطبق بجزء مما سبق على الاحزاب .. خاصة المدثره برداء وسلوك القبيلة ؟!!

هكذا تقدمت القبيلة وهكذا ظهرت بكل مكوناتها الشخصية والجهوية والحزبية لتسرق ثورة الشباب تحت عوامل وأسباب وأهداف عديدة .. ولتظهر تباعآ لذلك المذهبية والمناطقية والحزبية الضيقة والشراهة والفساد والقمع والاستحواذ بأبشع صورها.. وباتت أهداف الشباب التي من اجل تحقيقها قاموا بثورتهم مجرد أحلام فحسب! وأخشى القول بأنها ستظل كذلك طالما بقيت الأمور بأيدي أمثال هولاء ممن لا يقدرون أن يرون أبعد من أنوفهم وذواتهم .. والذين كان بعض شباب الثورة قد قبلوا بمن أُسند الأمر إليهم من هولاء طوعآ أو كُرهآ .. مقابل التسليم الصادق والمجرد بمبدأ الشراكة والمواطنة المُتساوية وقيامهم بوضع حد للديكتاتورية والمحسوبية والفساد ! ولكن :

((أبت الشقاوة أن تراود نفسها وأبى الشقي أن يكون سعيدآ ))

-لذلك .. أصبحت كيمني أولآ وثانيآ وأخيرآ أشعر بالإحتقار لكل ما ومن حولي ؟!

- أشعر بالاحتقار وانا اشاهد وطني ينتقل من حزب لوث الحياة السياسية وغيرها بكل العلل قبل ثورة الشباب إلى أحزاب بعدها إهتمت بمجموعة ضئيلة من كوادرها على حساب المؤهلين علميآ وعمليآ ووطنيآ من أبناء وطنها وبصورة أشد وأحرص مما ساد قبلها ! والتي بسبب أُميتها السياسية واخطاءها الفضيعة بجانب مجموعة قبلية معروف دورها بخراب اليمن.. كانت ولا تزال من أهم الخراب والدمار والمصائب التي وصل إليها اليمن اليوم ! إضافة إلى ظهور قوى محلية – شمالية تسعى إلى طمس نظام اليمن.. وجنوبية تسعى إلى طمس إسمها ووجودها !!

- أشعر بالإحتقار.. لأن في الفترة الانتقالية إنتصر نهج الشراهة على نهج الشراكة .. ونهج حق الحزب على إنكار حق المواطن .. وطغت ثقافة التطرف على ثقافة التسامح .. وازداد التمسك بالرأي الواحد على التنوع والتعايش الجامع في إطار الثوابت ..

- أشعر بالإحتقار .. للوضع البائس الذي وصل إليه حال اليمن واليمنيين.. حيث لايزال الشعب يعاني من حجم الطوابير للحصول على بعض الخدمات الضئيلة .. ولا يزال يعايش الظلام كما كان قبل عقود؟! بينما الأحزاب ومعظم علية القوم منهمكون بتقاسم الوظائف والمكاسب .. والقيام باستغفال وتجنيد البسطاء .. تطلعآ لتحقيق أهداف آنية والى اداء اليمين –اللادستورية- لنهب المزيد من خيرات الوطن .. والقدرة على خيانته أرضآ وإنسانآ ومصيرآ .

- أشعر بالإحتقار .. لأنه في الوقت الذي بات معظم اليمنيين يتعايشون فيه مع جحيم من الفقر والجهل والمرض والخوف والبغض.. نجد معظم كبار المسؤولين غير معنيين مما يعانيه أبناء جلدتهم .. لأن بعضهم عند حسن الظن لم تعد تبلغهم ولا تصل إليهم مثل هذه الاحداث والعلل .. كونهم باتوا محصنين لا يبلغهم عدو ولا يصل إليهم صديق .. وباتت نفوسهم غير قابلة لشعور فقير ولا معدم ولم تعد تصل إليها رحمة ولا إحساس ..

- أشعر بالاحتقار .. لأن وظيفة الدولة الحقة ومهامها .. والتي يتمثل بعضها بتوفير أسباب الحياة المعيشية والصحية والأمنية والعلمية لكل مواطنيها .. بجانب المحافظة على سلامة الوطن من أي عدوان عسكري أو فكري خارجي .. هي في وطني معدومة بمعظمها إن لم تكن كلها وما ذلك إلا لأن فاقد الشيء لايعطيه.. حتى بات ما بقي من قيم وأخلاق لدى بعض أبناء الوطن هي التي باتت تحمي اليمن رغم حجم معاناته الخاصة والعامة .

- أشعر بالإحتقار وأنا اشاهد بعض اليمنيين يتحاربون ضد بعضهم البعض بمختلف أسلحة الدمار .. حرب بين الجيش والقاعدة.. بين الحوثيين والقبائل .. بين المواطن وبعض رجال الأمن .. بين النظام السابق واللاحق . بين علي وعُمر!!الخ .. فبات اليمنييون بخرجون من جحيم إلى آخر .. ومن مصيبة إلى أُخرى .. وغدت بعض المحافظات والمدن تتفكك بين القاعدة وأنصار الله .. بين الحراك وأنصار الشريعة. حتى بات اليمني يعيش مابين قلق ومضطرب وحائر!

- أشعر بالاحتقار .. لأن صورة إبن((مأرب)) تتمثل اليوم باحتراف القتل والخطف وتخريب الكهرباء وتبديد ثروات الوطن .. متسائلآ بمرارة .. كيف يرضى القيام بتصرف مشين كهذا .. مقابل هبة حقيرة ممن ابتليت بهم اليمن ولا تزال . بينما هو ينتمي إلى محافظة .. كانت حتى الأمس القريب تعلم غيرها عبر الممارسة بعض النخوة والكبرياء والإباء !!

- أشعر بالاحتقار .. لأنه لايزال يتواجد في وطني من لا يزال يقدس الاحجار والافراد والقبور من دون الله .. ويرفع شعارات الجهاد ضد أمريكا وإسرائيل .. بينما تنحصر ممارسته للقتل والتنكيل والتهجير ضد بعض أبناء عمومته ووطنه .. مما يدفع بالبعض إلى ترديد قول القائل :

 ((رأوا في قبور الميتين حياتهم  فقاموا إلى تلك القبور وطوفوا ))

-أشعر بالإحتقار . لأنني انا القادم من تعز والمقيم بصنعاء منذ خمسة وعشرين عامآ . لم أكتشف أنني زيدي أو شافعي..– شمالي أم جنوبي.. إلا بعد ظهور الظاهرتين الحوثية والحراكية ؟!

- أشعر بالإحتقار.. وأنا أعايش نظامآ مترددآ رغم كل ما سبق .. بل وما يشاهد أيضآ من محن بعضها تتمثل حوله عبر وجوه عفنة وأحزاب عبثية ومعتقة.. وبعضها تتمثل بفيأت وقوى تستغل أخطاؤه ومصاعبه .. مع أن هذا التردد يحدث رغم أن رأس النظام بات يحكم باسم ورضى كل يمني.. ويناصره من في الاقليم وغير الاقليم.. ويملك القوة التي تؤهله للقيام بوضع حد للفوضى المنتشرة حوله والتي يعرف جيدآ أسبابها وتوجهاتها! كما تعطيه القدرة على تحقيق بعض التطلعات والأهداف .

- أشعر بالإحتقار .. لأن أعداء اليمن في داخله هم الأكثر كثافة وفتكآ .. حقدآ وغباء .. هلعآ وطمعآ .. من أعداء الخارج .. إن كان لليمن اعداء في الخارج .. حتى وان وجدوا.. فإنه يستحيل على ما يسمى بالحراك المسلح أن يجد وطنآ آمنآ مستقرآ غير اليمن الموحد الآمن والمستقر, وهو ما ينطبق على الحوثيين وأمثالهما .. مهما كان حجم مساندة الخارج ؟! أو الإرتهان إليه .

- أشعر بالإحتقار ..لأن مابتنا نشاهد من إرهاب وعبث ببعض محافظات الوطن خاصة حول عاصمة الوطن.. ماكان له أن يحدث لولا طُغاة الأمس واليوم ممن عاثوا ولا يزالون فسادآ في الأرض! فتصرفاتهم وأنانيتهم وديكتاتوريتهم هي من صنعت الإرهاب , وأوجدت الحوثيين , وأظهرت الحراك .!

أشعر بالإحتقار .. لأن الجوع بات هو القاسم والجامع المشترك في المين .. ولأن الشعب الجائع يظل عقله ببطنه وليس براسه .. والجوع وحده .. هو الذي يقود إلى الثورات والفوضى معآ أحيانآ .. ولذا.. فإن إستمرار الأوضاع السيئة قد تدفعنا بانتظار الأسوأ في قادم الأيام .!

-أشعر بالإحتقار .. لأنني أصبحتُ أسمع وأُشاهد زعماء بدلآ من زعيم واحد .. وكلهم يتخاطب معي كيمني وباسم اليمن كل اليمن ..

((وكلآ يدعي وصلآ بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا))

حتى أصبحتُ حيرانآ !! فمن ياترى أُصدق؟!

-أشعر بالإحتقار .. لأن الثقة بوطني صارت وهمآ . والاطمئنان غرور .. والسلامة هَبَاء .. ليصل حال أمثالي إلى إظهار بعض الرضى بما هو قائم .. وقد يضطر إلى الثناء عليه أحيانآ .. دون إظهار شكوى أو تذمر.. ليس خوفآ بقدر ماهي مداراه.. ولأنه إن فعل.. فسيجد بعض الاقلام والأفواه المأجورة وما أكثرها اليوم تصب عليه جام غضبها.. وتنعته بأقبح الأوصاف وأشنعها .. ليجد نفسه وهو بين هذه الآفات والعلل .. يردد قول المتنبي – ولو مع نفسه :

((ما كنتُ أحسبني أبقى إلى زمن يُسيءُ بي فيه كلبُ وهو محمودُ))؟! .

- إنه خريف يمني بعرضه وجوهرة .. حيث تساقطت فيه ولاتزال .. الاخلاق والقيم.. والشخصيات والأقنعه الزائفة والاحزاب وبعض الهيئات والمنظمات التي تظهر غير ما تبطن .. وغيرها مما كان أمثالي وغيري مخدوع بها .!

- خريف ..تساقط فيه كل ماكان يظهر جميل بوطني وليس فقط أوراق الشجر !

-فلم يبق لأمثالي عدا اللجؤ إلى الله وحده ثم التعلل بالأمل .!

-وبعد.. إلى استاذي الفاضل .. الذي يتعامل مع الناس ومع الجاه في الحياة بخلق القرآن . إليه وهو يتساءل معي بكل محبة وتحفيز اثناء زيارتي الأخيره له .. لماذا لم أعد اكتب ؟!

إلى الأُستاذ القدير الدكتور / عبدالعزيز المقالح .. رعاه الله .

-مع أن كل ما قمتُ بسرده آنفآ لاجديد فيه .. ولا آخاله سيشبع جائعآ.. أو سيكسي عريانآ.. أو سيوقف ظالمآ.. أو سينصف مظلومآ أو سيوقظ غافلآ ؟!!


في السبت 30 أغسطس-آب 2014 11:30:42 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://marebpress.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.org/articles.php?id=40269