القبلــة
أم. عيسى المسكري

القـُبلة حديثٌ عبير كلماته من أفنان الدنيا.. ورسول صادق يفتح آفاق الحياة بألوانها البهيّة وأنهارها العذبة التي تسقي الأرواح المتعطشة.. فتستشفّ عمّا في سويداء القلوب من حبّ وحنان.. وهي المرهم العاطفي لأبنائنا.. والبلسم الشافي الذي نستمدّ منه الحياة العصريّة المتجدّدة المليئة بالأمل والنجاح.

عن البراء رضي اللّه عنه، أنه قال: ( دخلت مع أبي بكر أوّل ما قَدِمَ المدينة، فإذا عائشة ابنته مضطجعة قد أصابتها حمّى، فأتاها أبو بكر فقال لها: كيف أنت يا بنيّة؟ وقبّل خدها ).

من لا يَرحم لا يُرحم

إنّها قبلة الأغصان عند تعانقها.. والعصافير عندما تترنّم وتحطّ في عشّها.. والزوجة عندما تخلو في مملكتها مع زوجها.. والأطفال عندما تشرق عليهم شمس التناغم والتناعم.

فهل جرّبت يوماً أن تقبّل ابنك وهو نائم.. أو أن تنظر إلى صورته البريئة.. وفطرته النقيّة.. وكلماته العذبة التي تغذي الوجدان؟ ِ

إنّها الرحمة الإنسانيّة التي تحدّث عنها رسولنا صلى الله عليه وسلم . فعن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: «قَبلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْحَسَنَ بْنَ عَلِي وَعِنْدَهُ الأقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التمِيمِي جَالِسًا فَقَالَ الأقْرَعُ إِن لِي عَشَرَةً مِنْ الْوَلَدِ مَا قَبلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثُم قَال: مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ«. (وفي رواية ثانية قبّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسين بن علي رضي الله عنهما).

إنّس الطفل الذي يحصل على قبلة من والديه قبل نومه يكون أقلّ كوابيس في أثناء الليل.. وأكثر تركيزاً على دراسته.. وأقلّ عدوانيّة على إخوانه. وتؤكد كثير من الدراسات أنّ الإنسان الذي ينشأ في بيت فيه تقبيل واحتضان يكون أصحّ نفساً من الإنسان الذي ينشأ في بيت لا قُبلة فيه ولا احتضان.

إشارات عاطفيّة

إنّ هذه الإشارات العاطفيّة تحمل رسالة صادقة لا يمكن أن نتغافل عن معانيها أو نسيء فهم مفراداتها؛ فقُبلة الوالدين تعني التقدير والاحترام.. وقُبلة العلماء تعمّق معاني التبجيل والإجلال.. وقبلة الأبناء تحمل معاني الرحمة والحنان.. وقبلة الزوجة تشفّ عن أبجديّات المحبّة والمودّة.

وعن عائشة رضي اللّه عنها، قالت: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ سَمْتًا وَدَلا وَهَدْيًا بِرَسُولِ اللهِ فِي قِيَامِهَا وَقُعُودِهَا مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ وَكَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى النبِي صلى الله عليه وسلم قَامَ إِلَيْهَا فَقَبلَهَا وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ وَكَانَ النبِي صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا فَقَبلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا«.

إنّ دراسة هذه الجزيئات في عالم الأسرة تعالج كثيراً من السلوكيّات والعادات السيئة التي قد تعوق آفاق الأطفال في إدراك المجتمع وتنوير الذات. فمن الأمور التي تجعل الطفل يستيقظ منتعشاً نشيطاً محبّاً للدراسة والمدرسة هي قُبلة الأم التي تودّع الأبناء.. أو قُبلة الأب التي تستقبلهم عندما يعودون إلى كنفهم العائلي.

تقول الدكتورة فوزيّة الدريع: «المراهق مثل الطفل وأكثر في حاجته للتقبيل، فقد تدفع إلى تعويضات فمّية بديلة مثل التهام الطعام بشراهة، أو التدخين، أو تعاطي المخدرات، أو شرب الكحول. ومن الضروري نحن الآباء والأمهات أن ندرك حاجة المراهق للتقبيل، فقبلة الرأس والخدّ والتربيت والاحتضان قد تخفف هذه الحاجة وتحمي المراهق من تعويضات مدمرة«.
 

ليكن بينكما رسول

القُبلة ترسم لنا لوحة الرضا بألوان التسامح والتآلف.. وتعمّق مشاعر الأبوّة والبنوّة.. وتعكس في النفس أشعة الأمل والارتياح.. فتذيب جليد الرتابة والملل.. وتطفئ نيران الغضب.. وتخفف أوجاع القلوب وأمراض الوحدة وآلام الغربة.

وعندما نتابع سيرة النبيّ صلى الله عليه وسلم ندرك أنه ما ترك أمراً إلا وبيّن أهميّته، فهو القدوة للأسرة السعيدة.. والمعلّم الذي يترجم الواقع إلى قول وعمل. وقد اشتهر صلوات اللّه عليه بأنّه كان يقبّل نساءه. أخرج الإمام البخاري رحمه اللّه عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: «إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ لَيُقَبلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ ثُم ضَحِكَتْ«.

وكان صلى الله عليه وسلم يدعو الرجال إلى تقبيل نسائهم وله حديث عظيم في ذلك، قال : ِ«لا يقعن أحدكم على امرأته كما تقع البهيمة، وليكن بينهما رسول قيل وما الرسول يا رسول الله؟ قال القبلة والكلام«.

وقد جاء في بعض الدراسات أنّ ما لا يقل عن 56% من الأزواج يعيشون بلا قُبلة ويشبعون جنسيّاً بلا قبلة، أمّا المرأة فتكون تعيسة، ويؤثر ذلك فيها وفي علاقتها بزوجها، وحتى على علاقتها بأولادها.

وفي دراسة أجريت في أمريكا على نساء أمريكيّات ويابانيّات وُجد أنّ المرأة التي يقبّلها زوجها تكون أقلّ عصبيّة وأكثر حناناً على أطفالها من تلك التي لا يقبّلها زوجها؛ فانعدام القبلة في العِشرة الزوجيّة تؤثر على سلوك الزوج.. والزوجة.. والأطفال.. فتصبح حياتهم قاسية جافة.. وعواطفهم يابسة ميتة.

معين لا ينضب

من هنا ندرك أهمية القبلة في العِشرة الزوجية فهي تستئصل شأفة البغضاء.. وتزيل شوكة الجفاء التي قد تنبت في تربة العواطف ورياض المحبّة.. فهي الرافد الذي لا ينضب معينه.. ولا تظمأ النفوس الحيّة أبداً ما دامت تشرب من منبعه.

لقد سبق رسول اللّه صلى الله عليه وسلم علماء الفن وأصحاب الأهواء الرخيصة والشهوات المؤقته الذين لا ينظرون إلى الحياة إلاّ من زاوية ضيقة.. زاوية الدنيا دون إخضاعها لأوامر اللّه عزّ وجلّ.. لقد أمرنا الإسلام أن نوازن بين الأمور فلا تطرّف.. ولا إفراط.. ولا تفريط.. ولا ننسى نصيبنا من هذه الدنيا الحلوة التي نمشي على أرضها.. ونستنشق نسيمها ونتظلّل تحت أفيائها.

{وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ}

قال اللـــّه تعــالى: {أَلَمْ نَجْعَل لهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ } /البلد 8-9/.

وجاء في بعض كتب علم النفس: «إنّ الجلد الذي يغطي الشفاه أرقّ بكثير من أيّ جلد آخر في جسم الإنسان، وهو بأقلّ تقدير نصف سمك الجلد مما يجعل تلقيه لأي مؤثر أكبر«. وما يحدث في أثناء التقبيل من رعشة كهربائيّة لذيذة يعود إلى الدغدغة الشديدة التي تجعل الأعصاب كلّها متحفزة.

وتقول بعض الدراسات: «إنّ الكمبيوتر رصد هذه الكهربائيّة فوجد أنها تصل من الدماغ إلى كل عضلات الوجه، وأن سبب التكهرب من القبلة يعود إلى وجود كمّ رهيب من الأعصاب بالإضافة إلى النشاط الكهربائي في عضلات الوجة بعامة وعضلات الشفاه بخاصة«.

إنّ الشفاه لا ترسل مفردات التقبيل فقط كما يعتقد بعض الناس ولكنها تحمل دفء التواصل، وهي قادرة على توصيل المشاعر والكلمات الهادئة أكثر من اللسان. وعند دراسة سلوك الطفل نجد أنّ أوّل سلوك في حياته المتجـدّدة والمتطوّرة، وأوّل خبرة في بداية يومه الأول بعد خروجه من شرنقته هي الخبرة التي تتمثل في شفاهه وفمه عند الرضاعة؛ فالشفاه هي أوّل لغة يجيدها الطفل ويتواصل مع أمه من خلالها في هذا العالم الواسع الذي وجد نفسه فيه.

القُبلة والسعرات الحراريّة

 تساءل العلماء والباحثون عن الأسرار في لغة القُبلة قائلين:

هل تحرّك القُبلة الدورة الدمويّة أو تحرق السعرات الحرارية؟ وهل تخفف من وزن الإنسان؟

لقد وجد الباحثون المهتمّون بالريجيم أنّ هناك علاقة بين القُبلة وتحريك الدورة الدموية وتخفيف الوزن؛ فالقبلة تجعل العضلات والأحشاء في وضع شدّ عام ممّا يجعل الجسم وهو واقف يحرق ما بين 3سعرات حرارية إلى 10 أو أكثر. ويرى الباحثون أنّ كلّ قبلة خفيفة تعادل أو تحرق3 سعرات حرارية، بل اكتشفوا أنّ القُبلة تنمّي في الإنسان الشعور والإحساس بالشبع، الأمر الذي يجعله يبتعد عن الطعام وبخاصة الحلويّات.

أنواع القُبلة

ذكر بعض علماء النفس أنواع القبلة، ومنها:

* قُبلة التقديس:

كتقبيل الحجر الأسود.

* قبلة المحبّة:

وتكون فقط في كنف العِشْرة الزوجية.

* قبلة الأمومة: 

كتقبيل الآباء والأمهات أبناءهم. 

* قبلة الاحترام:

كأن يقبّل الولد رأس والده.. أو كتفه.. أو يديه الكريمتين.

* قبلة الوداع:

بعد دراسة أسباب تأخر مواعيد الطيران وجدت بعض الخطوط الغربيّة أنّ أحد مشاكل تأخر مواعيد الطيران ترجع إلى قُبلات الوداع بين المسافرين.. واقترحوا وداعاً مبكراً يُعلَن عنه في الميكرفون.

أجمل قُبلة

أختم بأجمل ما قرأته في هذا الموضوع.. وبخاصة بعد ما تبحّرنا في لجج الحنان مع أبنائنا.. ونبع الأمان مع آبائنا.. حديث رسولنا الذي علّمنا أبجديّات المحبّة.

كان أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْر رجلاً صالحاً ضاحكاً مليحاً، رُوي عنه: «بَيْنَمَا هُوَ يُحَدثُ الْقَوْمَ وَكَانَ فِيهِ مِزَاحٌ بَيْنَا يُضْحِكُهُمْ فَطَعَنَهُ النبِي صلى الله عليه وسلم فِي خَاصِرَتِهِ بِعُودٍ فَقَالَ أَصْبِرْنِي فَقَالَ اصْطَبِرْ قَالَ إِن عَلَيْكَ قَمِيصًا وَلَيْسَ عَلَي قَمِيصٌ فَرَفَعَ النبِي صلى الله عليه وسلم عَنْ قَمِيصِهِ فَاحْتَضَنَهُ وَجَعَلَ يُقَبلُ كَشْحَهُ قَالَ إِنمَا أَرَدْتُ هَذَا يَا رَسُولَ الله«.

(أَصْبِرْنِي: أَقْدِرْنِي وَمَكني مِنْ اِسْتِيفَاء القصاص، اِصْطَبِر: أَيْ اِسْتَوْفِ الْقِصَاص، الكشح: ما بين الخاصرة والضلع الأقصر).

بأبي وأمي يا رسول اللّه.. نحبّك لأنّك علّمتنا الكثير في حياتنا.. وكنت لنا القدوة في يومنا ومستقبلنا!!
 

إنّ الذي يعيش أو يتعايش مع هذه القصة يقف عاجزاً عن التعبير، متجمّداً في محيط الذات لا يدري من أين يبدأ لاستخراج الأفكار الرائعة والعواطف الجيّاشة التي تمرّ كلّ لحظة في الخواطر أو حديث النفس. 

ماذا تعني هذه القُبلة وماذا تقول لنا وهي تودّعنا؟

إنّها تقول الحقيقة.. حقيقة الوجدان.. وصدق المشاعر.. وأمانة الأحاسيس.


في الثلاثاء 17 إبريل-نيسان 2007 05:53:22 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://marebpress.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.org/articles.php?id=1576