لقاء بروكسل.. بداية جيدة
بكر احمد
بكر احمد

النتيجة التي خرج بها المؤتمرون في لقاء بروكسل لمناقشة القضية الجنوبية في هذه الأيام الهامة والتاريخية كانت نتائج مرضية وعقلانية جدا، إذ إنها لم تحتكر القرار ولم تدعي تمثيلها للجنوبيين وأيضا لم تخرج بأحكام نهائية، بل عرضت الأمر على طاولة الاستفتاء ليحدد الشعب مصيره بنفسه ويتحمل عقبات أي قرار يتخذه، فالوحدة اليمنية الحالية قامت بقرارات ضيقة استأثر بها بعض الأفراد وكذلك قرارات الحرب والانفصال اتخذت دون الرجوع إلى أصحاب الأمر وهم الشعب في الجنوب والشمال، وجميعها أنتجت حالة من النفور والكراهية وشعور بالغبن،كلها أمور تراكمت حتى شكلت جيل كامل في الجنوب لديه مواقفه المتحفظة من هذه الوحدة التي لم تأتي له إلا بمزيد من الفقر والجهل والأمية فضاقت به الحياة وأصبحت تشكل عبء كبير على كاهله في وقت كان من المفترض بهذه الوحدة أن تساهم في رفع مستواه المعيشي والتعليمي والصحي.

الجميل في هذه المؤتمر انه لم يحاول أن يقصي أي من الفئات السياسية الأخرى، بل انه غير من أسلوب اتخاذ القرار من المطالبة بفك الارتباط إلى احتمالية القبول بالوحدة متى ما قرر الجنوبيون ذلك وهذا تحول مهم وفهم لمقتضيات المرحلة، فهنالك من يروج لدولة مدنية ستخرج من تحت ركام هذه الثورة الشعبية على اعتبار أنها ستنفض كل أرث الماضي وترسم ملامح وطن جديد، إلا أن هذا يبدوا أمر لا يمكن حدوثه حتى ولو بعد الكثير من السنين، فمن خلال ملاحظة ما يجري وأين تسير الأمور أرى أنه من الصعوبة إقامة دولة مدنية حقيقية، وخاصة أن القبيلة والدين السياسي اتخذا مواقع متقدمة وقيادية في هذه الثورة وهم لن يتوانو عن قطف ثمارها مباشرة مما سيجعل أمر تنفيذ القانون ووضع دستور جديد أمر من الصعب حدوثه، كما أنهم سيؤكدون أحقيتهم بالمال والثورة مثلما كانت عليها ما قبل الثورة، أن هذه الثورة بدت في لحظة ما حلم جميل سرعان ما تلاشى خدرها لنصحو على واقع مرير لا يقل مرارة عن نظام صالح وأبنائه.

كل هذا ممكن تقبله كإرث علينا أن نتكاتف لتغيره، لكن أن تلاحظ بأن معظم الشماليين هم في الأصل أكثر الناس تحمسا للقبيلة وتمجيدا لمشايخها، بل تجد ضيق ونفور منهم وربما تهجم في بعض الأحيان متى ما قررت أن تنتقد ذلك الشيخ أو ترفض الفكر القبلي ناهيك عن السطوة والقوة والعنف التي ظهرت به القبيلة في حربها الأخيرة مع الحرس الجمهوري والأمن المركزي في صنعاء، لتعرف حينها بأن المشكلة متجذرة أكبر مما تتصوره،وأن هذه الثورة في جوهرها هي للمطالبة بتغير الوجوه فقط بينما الثقافة والوعي هو نفسه.

عندما يبدأ أي اجتماع في شمال الوطن لأي غرض سياسي، نجد أن الطيف الأكبر مشكل من مشايخ القبائل ورجال الدين والكثير من العسكر بينما يختفي التيار المدني الليبرالي أن وجد كصف ثاني بالكاد يظهر له أي تأثير في القرارات النهائية، بمعنى أن كل الاجتماعات التي عقدت والتي ستعقد لن تخرج عن طور تأكيد الهيمنة لفئة أو طبقة اجتماعية بعينها مع تجاهل باقي الطبقات الاجتماعية وترسيخ لمفهوم نمطي مكرر لديه مواقفه المعلنة أمام الكثير من الأفكار العصرية والمدنية بدء من المرأة وانتهاء بتنظيم المرور في الشوارع، وهذا ما لا نراه في الاجتماعات الجنوبية حيث أن موضوع القبلية والإسلام السياسي أمر لا وجود ولا اثر له حيث انه مرفوض سياسيا واجتماعيا وثقافيا ودائما ما تطرح الأمور من منظور سياسي تقدمي متجاوزين بذلك الكثير من العقبات والمشاكل التي قد تقع مما يعني أن فكر وتطبيق الدولة المدنية هو الأقرب لو أتيح لهم الحكم من جديد وطبعا ليس حكم الشمال.

مسالة الاستفتاء يجب أن تطرح بجدية أكثر ويتابع أمرها ويجب أن يتم طرح كل الخيارات أمام الجنوبيين لتحديد مصيرهم الذي كفلته لهم كل القوانين الدولية ويجب الإعداد له من الآن مع التأكيد على الحضور والدعم الدولي الذي يكفل نقل نتائج ذلك الاستفتاء الي ارض الواقع وان يتم جذب بقية التيارات السياسية لمثل هذه الفكرة وتوحيدهم جميعا للاتفاق والالتزام بنتائجها كحل مدني وسلمي يليق بشعب اثبت للعالم من خلال ثورته كم هو مدني ومتحضر وواعي.

واقبلوا عذري على هذا النفس الجهوي والمناطقي، ولكن نضطر كثيرا للتطرق لأشياء نكرهها من أجل أن نكون أكثر عقلانية وموضوعية، فمن السخف أن نتجاهل لفظة ( جنوبي وشمالي ) بينما كل شيء حولنا يثبت وجودها ككائن حقيقي يعيش بيننا وان تجاهلها لن يحل أي مشكلة مهما كانت صغيرة وتافهة.


في الثلاثاء 28 يونيو-حزيران 2011 03:50:51 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://marebpress.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.org/articles.php?id=10833