مسؤولية المرأة 10 .. البنية المتعالية للذات الإنسانية
بقلم/ رجاء يحي الحوثي
نشر منذ: أسبوع و يومين و 14 ساعة
السبت 29 أغسطس-آب 2026 06:10 م

يشكل الإنسان في الخطاب القرآني محورًا لفهمٍ عميق لطبيعة النفس البشرية، بما تحمله من قابلية للسمو أو الانحراف، وللصدق أو التزييف، وللبناء أو الهدم. وفي الوقت الذي يقدّم فيه علم النفس الحديث توصيفًا دقيقًا لاضطرابات الشخصية، وعلى رأسها "النرجسية المرضية"، نجد أن القرآن الكريم قد رسم قبل ذلك بقرون طويلة ملامح دقيقة لأنماط بشرية تتطابق في سماتها مع ما يسميه العلم اليوم بالشخصية النرجسية ، شخصية تتزين بالظاهر، وتخفي اضطرابًا في الباطن، وتزكي نفسها، وتبرر سوء عملها، وتفرح بمصيبة الآخرين، وتشتدّ خصومتها عند الخلاف.

إن قراءة هذه الصفات تكشف أن القرآن لا يقدّم وصفًا أخلاقيًا فحسب، بل تحليلًا نفسيًا متماسكًا لبنية الإنسان حين تتضخم ذاته وتفقد توازنها ، فالآيات التي تتحدث عن من "يُعجبك قوله وهو ألدّ الخصام" ، أو من "زُيّن له سوء عمله فرآه حسنًا"، أو من "يزكّون أنفسهم" ، أو من "تسؤهم حسنات غيرهم ويفرحون بسيئاتهم"، ترسم صورة دقيقة لشخصية تتطابق في جوهرها مع النرجسية كما يعرفها علم النفس المعاصر.

وهكذا تتقاطع الرؤية القرآنية مع التحليل النفسي الحديث في توصيف الإنسان الذي يختبئ خلف قناع من القوة والاتزان، بينما يحمل في داخله هشاشة عميقة تدفعه إلى التزييف، والتبرير، والتعالي، والخصومة، والحسد. إن هذا التقاطع بين النص القرآني والعلم الحديث لا يقدم فهمًا أعمق للنرجسية فحسب، بل يفتح بابًا واسعًا لإعادة قراءة الظواهر النفسية والاجتماعية في ضوء منظومة معرفية متكاملة تجمع بين الوحي والعقل.

وهنا نوضح للقارئ مفهوم النرجسية في ضوء النص القرآني: ونوضح قراءة تحليلية في البنية النفسية للمتعالين للشخصية النرجسية بوصفها بنية متضخمة للذات، تتغذى على الإعجاب، وتخفي هشاشة داخلية عميقة خلف قناع من القوة والاتزان ، ورغم أن القرآن الكريم لم يستخدم مصطلح "النرجسية" بصيغته المعاصرة، إلا أن نصوصه قدمت تصويرًا بالغ الدقة لأنماط بشرية تتطابق في سماتها مع ما يسميه علم النفس اليوم "النرجسية المرضية" ، ويكشف عن ملامح هذه الشخصية من خلال تحليل الآيات التي تتناول المخادعين، المتكبرين، المزكّين لأنفسهم، والذين يرون سوء عملهم حسنًا ،وتكون شخصية وتعامل النرجسي تظهر على النحو التالي:

ازدواجية الظاهر والباطن: البنية الأولى للنرجسية تقول الآية:﴿هَأَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ آل عمران (119) تشرح الآية نموذجًا بشريًا يظهر الود ويُخفي الغيظ، ويعيش على التناقض بين ما يعلنه وما يضمره ، وهذه السمة هي حجر الأساس في الشخصية النرجسية:- خطاب لطيف أمام الناس - غيظ وحسد في الخفاء - فرح بمصيبة الآخرين وامتعاض من نجاحهم - قدرة عالية على التمثيل الاجتماعي ، إنها شخصية تتزين بالظاهر وتخفي اضطرابًا داخليًا لا يراه إلا من يقترب منها.

الاعتذار التكتيكي : آلية دفاع لا تعكس ندمًا كما جاء في هذه الآية ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ… قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا﴾ التوبة (94) وتبين هذه الآية ان الاعتذار ليس توبة، بل محاولة للالتفاف على الحقيقة بعد انكشاف الأمر، وهذه الآلية تتطابق مع ما يسميه علم النفس “الاعتذار الأداتي” عند النرجسي:- اعتذار بلا اعتراف.- تبرير بلا مسؤولية - محاولة لاستعادة السيطرة لا لإصلاح الخطأ ،إنه اعتذار وظيفي، لا أخلاقي.

تزيين السوء: إعادة تشكيل الواقع لخدمة الأنا ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ فاطر (8)وفي هذه الآية وصف دقيق من يُزيّن لنفسه الباطل حتى يراه حقًا، وهي حالة نفسية تتطابق مع “التبرير النرجسي”:- يرى إساءته قوة- يرى قسوته حكمة- يرى ظلمه حقًا- يرى كذبه ذكاءً إنها عملية إعادة تشكيل للواقع بما يخدم صورة الذات المتضخمة، وهي إحدى أخطر آليات الدفاع النرجسية.

وهم الإنجاز: ضلال السعي وتضخّم الذات ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ الكهف (104) وكما هو واضح في هذه الآية من وصف لمن يظن أنه على صواب وهو في الحقيقة غارق في الخطأ وهذا هو جوهر النرجسية:- يقنع نفسه بأنه الأفضل -يرفض النقد رفضًا مطلقًا-يفسّر كل اعتراض بأنه حسد أو جهل.

- يرفض تدخل الحكام لحل المشكلة خوفا من أن ينكشف - يظن أن قراراته صائبة مهما كانت نتائجها كارثية.

إنه ضلال السعي الذي يجعل الإنسان يعيش في وهم الإنجاز بينما يخسر كل شيء حوله.

تزكية النفس: مركزية الأنا وادعاء الكمال ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ النساء (49) الآية تتحدث عن الادعاء الكاذب للكمال، وهي سمة مركزية في الشخصية النرجسية:- تضخيم الإنجازات -ادعاء التفوق المطلق.

- رفض الاعتراف بالخطأ.- طلب الإعجاب المستمر، إنها حالة “تضخم الأنا” التي تجعل الإنسان يعيش في عالم يضع نفسه فيه فوق الجميع.

الحسد المرضي: الفرح بمصيبة الآخرين ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ آل عمران 120(120)تصف لنا الآية عن مرض الحسد الذي يجعل الإنسان يتألم لخير الآخرين ويفرح لشرّهم ،وهذه السمة تتطابق مع "الحسد النرجسي":- نجاح الآخرين يهدد صورته الذاتية - فشلهم يمنحه شعورًا بالتفوق - سعادتهم تُشعره بالنقص.

- تعاستهم تمنحه راحة نفسية ، إنها علاقة مختلة مع العالم، قائمة على المقارنة الدائمة.

بلاغة القول وشراسة الخصومة: الوجه المزدوج للنرجسي ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ… وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ البقرة (204) وكما جاءت هذه الآية بالحديث أن من يُحسن الكلام لكنه شديد الخصومة عند الخلاف.

وهذه السمة تتطابق مع النرجسي:- خطاب ساحر - حضور اجتماعي قوي - قدرة على الإقناع - لكن عند الخلاف يتحول إلى خصم شرس يقلب الحقائق ويجرح ويهين ، إنها شخصية تجمع بين بلاغة اللسان وقسوة القلب.

الأخسرون أعمالًا: النهاية الطبيعية للنرجسية ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ الكهف (103)توصف هذه الآية من ضاع عمره في سعيٍ باطل وهذه هي النهاية التي يصل إليها النرجسي:

- علاقات منهارة - أسرة مفككة - احترام مفقود-عزلة نفسية -حياة روحية خاوية أنه نموذج بشري يخسر كل شيء لأنه لم ير نفسه يومًا كما هي:

في الدنيا: النرجسي يخسر لأن غروره يعزله؛ علاقاته تنهار، ثقته تتآكل، ونجاح الآخرين يدمّره من الداخل، فيعيش فراغًا لا يملؤه إعجاب ولا سلطة.

في الآخرة: يسقط قناع التزييف، ويُحاسَب على ما كان يُخفيه لا ما كان يُظهره، فيكون من الأخسرين أعمالًا الذين “ضلّ سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا” ، فالقرآن يربط بين فساد الباطن وسوء المصير، وبين تزكية النفس وسقوطها عند الحساب.

المحامية والمستشارة القانونية 

رجاء يحى الحوثي