حين تضيء الشوارع بالأخضر بينما تنطفئ حياة الجائعين
بقلم/ عبدالمالك الشميري
نشر منذ: أسبوع و 5 أيام و 15 ساعة
الأربعاء 26 أغسطس-آب 2026 06:07 م
 

مع ذكرى المولد النبوي الشريف على صاحبة أفضل الصلوات وأتم التسليم ، تتبدل ملامح المدن الخاضعة لسيطرة الحوثيين، فيظهر اللون الأخضر في كل مكان من الشوارع الرئيسية إلى الأزقة النائية، وتنتشر الرايات واللافتات، وتُركب الإضاءات، وتُجهز الساحات للفعاليات والحشود، ليتحول المشهد تدريجياً إلى لوحة ضخمة تريد الجماعة من خلالها أن تقول إنها حاضرة قوية، قادرة على الحشد، وممسكة بتفاصيل الحياة العامة، لكن خلف هذه الصورة المضيئة توجد صورة أخرى لا تظهر كثيراً في عدسات الكاميرات، صورة أب يقضي يومه في البحث عن عمل ثم يعود إلى منزله وهو لا يعرف ماذا سيضع أمام أطفاله على مائدة العشاء، وصورة أم تحاول أن تدبر ما تبقى في البيت من طعام وتفكر في ثمن الحليب الذي يحتاجه رضيعها، وصورة طفل مريض يتلوى من الألم بينما تقف أسرته عاجزة أمام سعر الدواء، وصورة موظف ينتظر راتبه، وتاجر يراقب ركود متجره، وشاب أنهكته البطالة فأصبح مستقبله معلقاً بين الحاجة والانتظار. هذه هي الحياة التي تختفي خلف اللون الأخضر.

 

نحن لا نتحدث عن المناسبة الدينية، و لا أحد يستطيع أن يقول إن اليمنيين لا يحق لهم الاحتفال بالمولد النبوي أو التعبير عن مشاعرهم الدينية، فالقضية ليست في المناسبة نفسها، ولا في اللون الأخضر بوصفه لوناً، ولا في رغبة الناس في الفرح، بل القضية تبدأ عندما تتحول المناسبة الدينية إلى استعراض سياسي واسع، ووسيلة لإظهار القوة وفرض الحضور، بينما يزداد ضيق الناس بحياتهم اليومية، عندما تصبح الشوارع أكثر إضاءة بينما تصبح البيوت أكثر ظلمة، يفرض نفسه سؤال أخلاقي لا يمكن تجاهله: من أجل من تُنفق كل هذه الأموال؟ وما الأولوية في مجتمع يعاني من الجوع والمرض والبطالة وانقطاع الرواتب؟

 

قد تختلف التقديرات حول حجم الإنفاق على احتفالات المولد من عام إلى آخر، وقد تختلف الأرقام المتعلقة بتكاليف الطلاء والإضاءة والفعاليات والنقل والحشود واللافتات، لكن اختلاف الأرقام لا يلغي حقيقة المشهد نفسه، مناسبة واسعة تُنفق عليها موارد كبيرة في مجتمع يعاني أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة، فالمواطن لا يعيش داخل الأرقام، بل يعيش في السوق، وحين يذهب إليه لا يسأل عن عدد الرايات التي عُلقت في الشارع، بل عن سعر كيس الدقيق، وقيمة الزيت، وثمن الحليب، وسعر الدواء، والأب الذي لا يملك ثمن علاج طفله لا تعنيه كثيراً ضخامة المنصة التي ستقام في المدينة، والأم التي تحاول توفير وجبة لأطفالها لا تستطيع أن ترى الإضاءة بالطريقة نفسها التي تراها بها سلطة تملك موارد الإنفاق، وهناك فرق هائل بين من يدفع فاتورة الاحتفال ومن ينظر إليها من موقع السلطة، فبالنسبة إلى المسؤول قد يكون الطلاء بنداً في ميزانية فعالية، أما بالنسبة إلى المواطن الفقير فقد يكون المال الذي أُنفق على طلاء واجهة أو تركيب إضاءة مبلغاً كان يمكن أن يشتري به احتياجات أسرته لأيام، ولذلك فإن القضية ليست في قيمة المصباح الواحد، ولا في سعر الراية الواحدة، بل في تراكم الإنفاق، وفي ترتيب الأولويات، وفي الفجوة المتسعة بين صورة السلطة التي تريد أن تظهرها وبين حياة الناس التي لا تستطيع السلطة إخفاءها مهما أضاءت الشوارع.

 

والأكثر إيلاماً أن هذا المشهد يأتي في وقت يعاني فيه موظفو الدولة في مناطق سيطرة الحوثيين من أزمة رواتب مستمرة منذ سنوات، فقد أفنى موظفون أعمارهم في خدمة الدولة ليجدوا أنفسهم فجأة بلا راتب منتظم، لم يعودوا يعرفون متى سيقبضون، وكم سيقبضون، وهل يستطيعون أن يبنوا على ما سيأتي أي خطة لحياتهم، وراتب كان يفترض أن يكون حقاً ثابتاً تحول إلى انتظار طويل، ثم إلى أنصاف رواتب متقطعة، ثم إلى محاولة مستمرة للعيش بالدين والاستدانة والمساعدة، ولفهم عمق هذه الأزمة تكفي واقعة موثقة من عام 2019، حين كان موظفون ينتظرون صرف جزء من راتب يعود إلى أكتوبر 2017، أي أن موظفاً في 2019 كان ينتظر جزءاً من راتب مضى عليه عامان، فكيف يمكن لأسرة أن تعيش سنوات على هذا النحو؟ وكيف يستطيع الموظف أن يحافظ على أسرته؟ وكيف يمكن أن يخطط لحياته بينما حقه الأساسي في الراتب نفسه غير منتظم؟

 

وعندما يتأخر الراتب يستدين الأب ثم يستدين مرة أخرى، ويبيع شيئاً من ممتلكاته، ويستنزف مدخراته إن كانت لديه مدخرات أصلاً، ويؤجل علاجاً، ويقلل الطعام، ويخرج أبناؤه من المدرسة، ويبحث عن عمل إضافي حتى لو كان خارج تخصصه أو قدرته، وهكذا يتحول انقطاع الراتب من مشكلة مالية إلى انهيار تدريجي في حياة الأسرة، وهناك من لا يملك راتباً أصلاً، فالشاب العاطل عن العمل يقضي أيامه في البحث عن فرصة عمل ، يذهب إلى السوق ويسأل هنا وهناك ويعود في المساء بلا شيء، ومع مرور الشهور لا يعود السؤال بالنسبة إليه ماذا سأعمل؟ بل يصبح كيف سأعيش؟

 

وهنا يصبح الفقر أكثر خطورة عندما يدخل في منظومة الحرب والتعبئة، فالجوع لا يجعل الإنسان مقاتلاً بالضرورة، والبطالة لا تعني أن كل عاطل سينضم إلى جماعة مسلحة، لكن من السذاجة أيضاً تجاهل أن الحاجة الاقتصادية قد تجعل بعض الأشخاص أكثر عرضة للاستقطاب، خصوصاً في مجتمع أنهكته الحرب وأغلقت فيه فرص العمل وتراجعت فيه مصادر الدخل، وعندما يجد شاب نفسه بلا وظيفة وقد أصبحت أسرته عاجزة عن توفير حاجاتها، ثم تُعرض عليه جماعة مسلحة دخلاً أو مساعدة أو وعداً بالحفاظ على وظيفة أو مكانة، فإن الحاجة الاقتصادية يمكن أن تصبح جزءاً من معادلة التجنيد، ومن هنا يمكن فهم جانب من المأساة التي تعيشها الأسر اليمنية، هناك أم فقدت ابنها بعد أن دخل في دوامة التعبئة العقائدية والحرب، وهناك أب ينتظر ابنه الذي خرج ولم يعد، وهناك أسرة تبحث عن قريب اختفى خلف أبواب الحرب والسجون، وهناك شباب يُدفعون إلى الجبهات بينما تتاح لآخرين فرص مختلفة في التعليم والحياة.

 

هذه ليست مجرد أرقام في تقارير الحرب، فخلف كل مقاتل أسرة، وخلف كل قتيل أم، وخلف كل مفقود أب ينتظر، وخلف كل جريح بيت يحاول أن يفهم ماذا حدث، وحين تكون الدولة عاجزة عن توفير الراتب والعمل والخدمة تصبح حياة المواطن أكثر هشاشة، ويصبح احتياجه مادة يمكن استخدامها في السيطرة والتعبئة، والأشد قسوة أن الفقر لا يتوقف عند الطعام، فالجوع يضغط على التعليم، والبطالة تضغط على الأسرة، وغياب الدخل يضغط على الصحة، وارتفاع الأسعار يضغط على الجميع، ثم تأتي الاحتفالات لتقول للمواطن إن الأولوية الآن للوحات العملاقة والإضاءة واللون الأخضر والفعاليات.

 

فكيف يمكن لأب لا يستطيع شراء الدواء لطفله أن يرى هذا المشهد بلا سؤال؟ وكيف يمكن لأم عاجزة عن توفير الحليب لرضيعها أن ترى إنفاقاً واسعاً على مظاهر الاحتفال ولا تشعر بأن هناك شيئاً مختلاً في ترتيب الأولويات؟ هذه الأسئلة ليست اعتراضاً على الدين، بل هي اعتراض على استخدام الدين لتبرير ما لا يمكن تبريره إنسانياً، فالمولد النبوي في جوهره مناسبة تستحضر الرحمة والتكافل وإغاثة المحتاج، أما تحويله إلى موسم للحشد السياسي، وإلى مقياس لحضور الجماعة في الشارع، وإلى مساحة لاستنزاف المواطنين والتجار، فهو أمر مختلف تماماً.

 

 أن قيمة الدولة لا تُقاس بعدد الرايات التي ترفعها، ولا بحجم الحشود التي تستطيع جمعها، ولا بعدد الشوارع التي يمكن أن تكسوها بالأخضر، بل تُقاس بما تقدمه للإنسان، بالراتب الذي يصل إلى الموظف في موعده، والعمل الذي يمنح الشاب فرصة للعيش بكرامة، والمدرسة التي تحمي الطفل من التجهيل والتعبئة، والمستشفى الذي يستطيع الفقير دخوله، والدواء الذي لا يتحول إلى رفاهية، والأمن الذي يحمي الأسرة بدلاً من أن يجعلها تخشى على أبنائها، ولهذا فإنني كغيري لا أرى في الزينة الخضراء مشكلة بحد ذاتها، بل المشكلة في أن تصبح الزينة أهم من الإنسان، وأن تصبح الإضاءة أولوية بينما البيوت غارقة في العتمة، وأن ترتفع اللوحات وتتلون المدينة باللون الأخضر بينما تنخفض القدرة على شراء الخبز، وأن تمتلئ الساحات بالحشود بينما تمتلئ البيوت بالديون، وأن تتسع منصات الاحتفال بينما تضيق حياة الناس يوماً بعد آخر.

 

يمكن للحوثيين أن يكسوا صنعاء بالأخضر، ويمكنهم أن يملأوا الشوارع باللوحات والأضواء، لكنهم لا يستطيعون إخفاء الجوع باللون، ولا يستطيع الضوء أن يعالج مريضاً، ولا تستطيع اللوحة أن تطعم طفلاً، ولا تستطيع المنصة أن تعيد إلى الموظف سنوات راتبه، ولا تستطيع مكبرات الصوت أن تمنح العاطل وظيفة، وفي نهاية الأمر سيبقى الإنسان هو الحقيقة التي يصعب تغطيتها بكل هذه الألوان، فالشوارع قد تضيء بالأخضر، لكن حياة الناس لا تضيء بالرايات، حياة الناس تحتاج خبزاً، ودواءً، وراتباً، وعملاً، وأمناً، وكرامة.