آخر الاخبار

مونديال 2026 يبدأ بجدل سياسي وأمني حول إجراءات الدخول للولايات المتحدة .. بعثة السنغال تخضع لإجراءات وُصفت بـالمذلة المفرج: المنتخب السعودي لا يشارك لمجرد الحضور بل لتحدي المنافسين من سان فرانسيسكو إلى سياتل.. العنابي يواجه تحديات قوية في أول مشاركة عبر التصفيات الأمم المتحدة تختتم اجتماعات لجنة التنسيق العسكري في عمّان وتؤكد أهمية استمرار الحوار زيارة دبلوماسية إلى جامعة إقليم سبأ.. إشادة ألمانية بالأداء الأكاديمي ودعوة لتعزيز القدرات البشرية تراجع كبير في أسعار الذهب.. تعرف على آخر الأسعار اليوم في اليمن الرئيس العليمي يشترط نزع سلاح المليشيات ويؤكد: تحقيق السلام لا يكون بوقف إطلاق النار فقط الرئيس اليمني يصارح المبعوث الأممي: لن نتقاسم السلطة مع الحوثيين والسلام يبدأ بإنهاء المشروع الإيراني في البلاد إيران تهدد بالإنسحاب من كأس العالم بيان عاجل للجنة الأمنية في عدن يحدد مكانًا للاحتجاجات ويحذر من تسييس المطالب الشعبية المشروعة

عقوبات أميركية تهزّ لبنان… ضربة ثلاثية الأبعاد
بقلم/ كلادس صعب
نشر منذ: أسبوعين و 4 أيام و 8 ساعات
السبت 23 مايو 2026 10:37 م
 

اهتزّت، مساء الخميس، ساحة الجمهورية اللبنانية على وقع عقوبات وزارة الخزانة الأميركية، التي وجّهت ضربة إلى قلب النظام اللبناني، يمكن توصيفها برسالة ثلاثية الأبعاد، تهدف إلى تقويض البنيان السياسي والأمني للنظام القائم الذي أنشأه “حزب الله” في قلب مؤسسات الدولة اللبنانية.

 

الأولى وُجّهت لرئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، رأس السلطة التشريعية، من خلال العقوبات التي فرضت على أحمد بعلبكي، الذي يُعتبر “خزنته الأمنية” و”مستشاره التنفيذي”. فقد جمع بعلبكي صلاحيات متعددة تمثّلت بالإدارة الأمنية والملفات الحساسة داخل “حركة أمل” وخارجها. كما شملت هذه العقوبات أيضاً علي أحمد صفوي، القائد الميداني للحركة في الجنوب.

 

أما البعد الثاني، فهو توسّع مروحة العقوبات الأميركية تجاه نواب “حزب الله”، لتطال الصقور في المجلس، وأبرزهم النائب حسن فضل الله، الذي يتولى إعلامياً الدفاع عن خيارات الحزب من على منبر البرلمان، كونه يحمل صفة عضو في المجلس النيابي، وهو ما مكّنه من إعطاء شرعية لخطاباته.

 

في حين تُعتبر العقوبات على الوزير والنائب السابق محمد فنيش زعزعة لصاحب اليد الطولى في مأسسة الهياكل التنظيمية والخدماتية والمالية للحزب، من خلال رئاسته للمجلس التنفيذي. أما النائب السابق إبراهيم الموسوي، فلطالما مثّل الوجه الدبلوماسي للحزب، عبر محاولته تظهير صورته بأدبيات بعيدة عن أيديولوجيته الحقيقية على مدى سنوات. كذلك، يُعدّ النائب حسين الحاج حسن من الشخصيات التي هيكلت وصاغت القوانين الاقتصادية للحزب، من خلال توليه حقائب وزارية خدماتية جرى توظيفها لصالح الحزب.

 

عقوبات تضرب العصب الأمني

 

البعد الثالث، والأخطر، والتحول الكبير في تاريخ العقوبات الأميركية، هو أنها تجاوزت البعد السياسي لتصيب العصب الأمني للدولة اللبنانية.

 

فالعقوبات على العميد خطار ناصر الدين، رئيس دائرة الأمن القومي في الأمن العام، تؤشر إلى أنها طالت منصباً ذا حساسية عالية في الأمن العام اللبناني. فهذا المنصب يتيح التواصل مع السفارات وأجهزة المخابرات الدولية، ما يمنحه أهمية كبيرة تمكّنه من رصد حركة الدخول والخروج عبر الحدود والمطار، فضلاً عن تحكّمه ببيانات ومعلومات استخباراتية شاملة، وبذلك يملك “داتا” واسعة تضعه في خانة “القلب الاستخباراتي” لجهاز الأمن العام.

 

أما العقيد سمير حمادة، المشمول أيضاً بهذه العقوبات، فمن خلال رئاسته لفرع الضاحية الجنوبية في مديرية المخابرات، يمتلك قنوات اتصال دائمة وتماساً مباشراً مع المربع الأمني لـ”حزب الله”، ما يجعله حلقة الوصل الأساسية ومفتاح التنسيق بين الحزب والجيش اللبناني.

 

السفير المعاقب وغير المرغوب فيه

 

وعلى المقلب الدبلوماسي والعلاقة مع الجمهورية الإسلامية، لم ينجُ السفير الإيراني غير المرغوب فيه، محمد رضا شيباني، المتحصّن في مقر سفارة بلاده، إذ تم ضمّه إلى اللائحة، كونه يشكّل، وفق ما أوردته الخزانة الأميركية، القناة الرسمية لتأمين الدعم المالي واللوجستي المباشر لقيادة “حزب الله”.

 

وعقب هذا الإعصار العقابي، صدرت بيانات عدة، أبرزها من قيادة الجيش اللبناني، التي أشارت في جزء من مضمونها إلى نوع من “العتب” على الإدارة الأميركية، بسبب تجاوز القنوات العسكرية المعتمدة والقفز فوق الأصول المتّبعة بين البلدين، مؤكدة ثقتها باحترافية ضباطها وولائهم للمؤسسة والوطن.

 

وتكامل هذا الموقف مع البيان الصادر عن المديرية العامة للأمن العام، الذي دافع عن معنويات السلك، ونأى بنفسه عن الصراعات الحزبية والإقليمية، مع تأكيده أنه، في حال ثبوت قيام أي عسكري بمخالفات، فسيتعرض للمساءلة.

 

وهنا، لا بد من العودة إلى الجذور الفعلية لبداية هذا “الإعصار”، الذي يبدو أنه قد يطيح بالأهمية التي كانت تعيرها الإدارة الأميركية للجيش اللبناني. وهي شرارة يبدو أنها اشتعلت مع سقوط خطة قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، لحظة إطلاق الصواريخ الستة التي أشعلت الجنوب، وكشفت معها مخازن الأسلحة والأنفاق التي كانت، وما زالت، منتشرة جنوب نهر الليطاني.

 

ولم يكن الانكشاف العسكري لمواقع “حزب الله” جنوب الليطاني الصاعق الوحيد الذي انفجر، لتنتقل من خلاله الإدارة الأميركية من مربع الانتظار والترغيب لقيام الجيش بمهامه، إلى مربع الهجوم المباشر. فقد شهدت العلاقة بين واشنطن والمؤسسة العسكرية العديد من المطبات، أبرزها اللقاء الشهير بين قائد الجيش العماد رودولف هيكل والسيناتور الجمهوري Lindsey Graham، الذي يتولى مهمة الدفع باتجاه تسليح الجيش أو عدمه، والذي انتهى في دقائقه الأولى بعد رفض هيكل تصنيف “حزب الله” كمنظمة إرهابية.

 

ولا يمكن قراءة هذه العقوبات المزلزلة بمعزل عن تتبّع مسار العقوبات الأميركية وتدرّجها التشريعي والزمني على مدى العقود الماضية. وهو مسار تكشّفت محطاته الدقيقة عندما انتقلت واشنطن من مرحلة ملاحقة الخلايا الفردية إلى استراتيجية تجفيف المنظومات المتكاملة، وتفكيك مفاصل الدولة الحاضنة لهذه المنظومة الأمنية والمالية عبر البحار، وصولاً إلى ملاحقة شبكات الجريمة المنظمة العابرة للقارات في تجمعات الاغتراب، لا سيما الكارتيلات في فنزويلا، التي شكّلت رئة مالية ولوجستية خلفية لتمويل الهياكل التسليحية للحزب.

 

وقد انكشف ذلك مع توقيف اللبناني الأصل أليكس صعب، “الصندوق الأسود” للرئيس الفنزويلي Nicolás Maduro، والذي كان الصلة الأساسية بين إيران و”حزب الله”، والمفتاح الرئيسي للعمليات الأمنية وتبييض الأموال في مختلف أنحاء العالم.

 

تدرّج العقوبات

 

هذه العقوبات لا يمكن فصلها عن المسار الذي بدأت فصوله في يوليو/تموز 2019، حين استهدفت العقوبات، وللمرة الأولى، رئيس “كتلة الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد، لكونه عضواً في مجلس الشورى، والنائب أمين شري، المتهم بالضغط على القطاع المصرفي المحلي لحماية حسابات المموّل أدهم طباجة.

 

وقد تطور هذا المسار في أيلول/سبتمبر 2020، ليتجاوز شخصيات الحزب ويطال بيئته الحاضنة وحلفاءه السياسيين، عبر معاقبة وزيري الأشغال والمالية الأسبقين يوسف فنيانوس وعلي حسن خليل، بتهم تلقي رشاوى، وتسهيل رسوّ مناقصات عامة، ونقل أموال، وإعفاء شحنات إلكترونيات تابعة للحزب من الرسوم الجمركية.

 

وتُوّجت هذه العقوبات، في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، بفرض عقوبات على رئيس “التيار الوطني الحر”، الوزير والنائب جبران باسيل، لاتهامه بالفساد وتأمين الغطاء السياسي مقابل مصالح سلطوية.

 

ومع مطلع عام 2021 وما بعدها، اتخذ مسار العقوبات منحى أعمق، استهدف تقويض الاقتصاد الموازي الذي أسسه الحزب تحت غطاء “جمعية القرض الحسن” ومسؤوليه الماليين.

 

وانطلاقاً من المسار الذي ذكرناه، لا يمكن عزل العقوبات التي فُرضت أمس عن مواقف الإدارة الأميركية التحذيرية، التي تبلورت هذا العام، وهي ترجمة لتوجهات إدارة الرئيس الأميركي Donald Trump ووزير الخزانة Scott Bessent، بتأكيدهما السابق أن زمن التسويات الرمادية والوعود الدبلوماسية على الورق قد انتهى، وأن ربط المساعدات الدولية ومشاريع إعادة الإعمار بات مشروطاً بقدرة وجدية القوات المسلحة اللبنانية في بسط السيطرة الكاملة، وتفكيك بنى التمويل واللوجستيات، وحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وحدها دون سواها.

 

وإلا، فإن البلد سيواجه تدحرجاً عنيفاً لعصا العقوبات المالية والعزل المؤسساتي الشامل.

 

وهنا يُطرح السؤال: هل بات لبنان في عين العاصفة الأميركية التي ستطيح بالهيكلية التي أرساها “حزب الله” في مؤسسات الجمهورية؟ ومن ستجرف معها في الأيام المقبلة؟