الحوار الإسلامي العلماني إشكالية الواقع وشكلية الممارسة
بقلم/ د. محمد معافى المهدلي
نشر منذ: 15 سنة و 5 أشهر و 21 يوماً
الأربعاء 11 إبريل-نيسان 2007 10:09 ص

مأرب برس - خاص

  لعل الظروف العصيبة التي تعيشها الأمة في حالتها الإستثنائية الراهنة ، فرضت على كثير من التيارات الوطنية التلاقي والتحاور والتشاور حول عدد من القضايا المصيرية ، ومن أهم هذه التيارات الفاعلة على الساحة الإسلامية والعربية ، التيار الإسلامي والتيار العلماني ، فمنذ عقود من الزمن والتياران يخوضان معارك طاحنة على مختلف الأصعدة والمجالات ، ومع اختلاف هذين التيارين في اعتماد المرجعية التشريعية والفكرية لكليهما ، إلا أن ضغط الواقع فرض على الجميع الجلوس على طاولة واحدة للحوار والنقاش ، في بعض البلدان الإسلامية ، ومع اختلاف هذين التيارين في الوجهة والهدف ، فلكل منهما وجهته السياسية وقِبلته الفكرية ، مما ألقى بظلاله على مسار هذا الحوار في حاضره ومستقبله ، بيد أنّ هذا الحوار ينبغي تعزيزه وتنميته ، مع ما تكتنفه من صعوبات ومشكلات ، ولعل من أهم هذه الإشكاليات في تقديري :

  أولاً: حالات التطرف والغلو من بعض تيارات هذين الاتجاهين ، العلمانية والإسلامية ، فلا ينكر أحد أن ثمة تطرفاً شنيعاً وإقصاءاً مقصوداً يمارسه التيار العلماني ، ولعل الأنموذج ألمغاربي والمصري مثال صارخ على ما نقول ، لقد مضت عقود على نشأة التيار الإسلامي في مصر ، بل واستطاع هذا التيار أن يخوض غمار الهامش الديموقراطي لينتزع نحواً من 80 مقعداً في مجلس الشعب المصري ، وله قنواته الإعلامية وصحفه ومراكزه وواجهاته وقواه الحية ، ويضم في أوساطه الآلاف من أعلى الشهادات العلمية والخبرات ، في شتى الميادين والمجالات ، بيد أن الحزب الوطني الحاكم يرفض حتى مجرد الحوار معه ، لا بل إنه ليفرض عليه نظام الطوارئ منذ عام 1981م وإلى يومنا ، وسحب الحزب الحاكم هذه الحالة الأمنية على كل الشعب المصري بالتبع .
هذه الحالة الإقصائية أعتقد أنها حالة شائعة في معاملة التيار العلماني في كثير من البلدان ، للتيار الإسلامي - الذي أدار له الزمان ظهره - وكما في سوريا وليبيا والأردن وغيرها .

مما يجعل المناداة بالحوار مع من لا يريد الحوار ، أو لا يؤمن به ، و مع من لا يفهم إلا اللغة الأمنية والبوليسية والاستخباراتية نوع خبل ، ومضيعة للوقت ، بمقتضى الحال والواقع .

  
بالمقابل أيضاً لا ننكر أن هناك بعض الأصوات داخل التيار الإسلامي العريض والكبير ، لديها نحواً من الغلو العلماني في رفض هذا الحوار مع الآخر جملة وتفصيلاً ، ويحبذ دوماً – هذا التيار - الزوايا المظلمة ، والأقبية الموحشة ، للحوار مع نفسه أو ذاته ، والذي بدوره للأسف يفشل - هذا الحوار حتى مع الذات - في كثير من الحالات والأحيان ، فضلا عن الحوار مع الآخر .

  رغم أن الآخر ربما لم يعد علمانياً بالمفهوم والمصطلح العقدي الشرعي ، كما هو الشأن في الحالة اليمنية التي التزمت فيها كل الأطراف السياسية بالدستور والقانون ، الذي يفرض على الجميع العمل وفق المرجعية الإسلامية العليا ، الإسلام عقيدة وشريعة ، والتي اعتمدتها كل الأحزاب اليمنية .

  قل هذا كذلك في بعض دول الجزيرة والخليج ذات الوضع القريب من الوضع اليمني دستورياً ، حيث ترفض بعض الأصوات من الإسلاميين الحوار مع التيار العلماني على اعتبار أنه تيار شاذ ونشاز ومنبوذ ، فيما هو في الحقيقة يحتل أهم نقاط القوة في المجتمع والقرار ، وهو القوة الفاعلة لا سيما في الإطار السياسي والثقافي والاقتصادي والإعلامي ، ويفرض وجوده على الساحة رضي من رضي وأبى من أبى .

  برغم كل هذا إلا أن بعض إخواننا الإسلاميين يقدمون رجلا ويؤخرون أخرى ، نحو الحوار في بعض البلدان ، ولعل الإشكالية لدى بعضهم تكمن في قراءة الشريعة قراءة غير صحيحة ، أو في ضعف قراءة الواقع قراءةً مستبصرة واعية ، أما الواقع فلا أحسبه محل جهل لدى بعض القوى العاقلة والفاحصة فيهم ، وأما الشريعة فهي تلزم الجميع بالحوار حتى مع أهل الكتاب ، فضلاً عن غيرهم ممن يتوسم فيه أنه لا يزال على أصل الإسلام وعلى نقاء الفطرة ، والتقصير ربما حاصل من جانب التيار الإسلامي نفسه في عجزه عن حمل رسالة الدعوة ونور الهداية إلى من يجهلها ، من أبناء الأمة عموماً ، بما فيهم التيار التغريبي العلماني ، في ظل الحملة الغربية الشعواء المستهدفة لكل مقومات المجتمع وثوابته

  وحتى لا أعمم فإني أزعم أن كثيراً من الإسلاميين في الجزيرة والخليج في حقيقة الأمر يضجون من الإقصاء العلماني ، ويئنون من إبعادهم حتى عن مجرد التعبير عن آرائهم بحرية وسلام ، فضلاً عن إفساح المجال لتواجدهم في مواطن التأثير ، مما جعل الإسلاميين يعانون كثيراً من الترهل بسبب "الكَبْسة" السياسية و"المضغوط" الفكري والثقافي ، رغم قاعدتهم الجماهيرية العريضة .

ومع هاتين الصوريتين المتنافرتين فكراً وسلوكاً وممارسة ، المتحدتين نتيجة ، يقف العاقل حائرًا ، ما المخرج وما الحل؟ !.

لاشك أن الواجب في هذه الصورة الرجوع إلى الوسطية والاعتدال ، ومن مقتضيات هذه الوسطية والاعتدال ، الاعتراف بالآخر ، والاعتراف بحضوره على الساحة وفي الميدان ، وإن كان يختلف هذا الحضور قوة وضعفاً ، وأثراً وتأثيراً ، وكماً ونوعاً ، وإيجاباً وسلباً ، إلا أنه في كل الأحوال لا يمكن تجاهله ، مما يتطلب من الجميع نبذ لغة الإقصاء ، في أي شكل من الأشكال ، والبحث عن نقاط الاجتماع والوحدة ، لا الاختلاف والفرقة ، فإن تعذرت فرضاً ، وانعدمت تقديراً ، فالنظر إلى المصلحة ومشكلات الواقع وتعقيداته التي تحتم وتفرض على الجميع اللجوء إلى الحوار ، في إطار المصلحة الإسلامية والعربية ، وفق قانون الشريعة وقانون النظم والسنن الكونية .

إنه لمن العجز والسخف بمكان الحيلولة دون الحوار الإسلامي العلماني ، بحجة أن لا مرجعية ولا أرضية مشتركة بين الطرفين ، فليكن ، أليس كذلك من الجرم أن يدع الإسلاميون هذه التيارات العلمانية ، ترتمي كلية وبمجموعها في الأحضان الدافئة للمشروع الأميركي ، ليتحولوا إلى قنابل موقوته ضد أمتهم وهويتها ، لا سيما وأنهم يشعرون بتجانس فكري وتقارب ثقافي كبير مع المشروع الأميركي ، وبالمقابل يشعرون بالوحشة والغربة والنبذ الفكري والإقصاء الثقافي ، ممن يسمونهم ب "المطاوعة " .

إن محاولات جر هذه التيارات العلمانية إلى محيط الأمة وقضاياها ومشكلاتها أمر مطلوب شرعاً وديناً ومصلحة ، لا سيما مع التيارات الوطنية المعتدلة الأصيلة منها .

  ثانياً: لا بد من التنازلات المطلوبة والضرورية ، كبدهيات لا بد منها للحوار ، إذ لا يعقل عدم حصول أي من التنازلات في أي حوار ، ونعني بالتنازلات: التنازلات من كلا طرفي الحوار ، الإسلامي والعلماني ، وبلا شك وإنصافاً للحقيقة أننا وجدنا تنازلات كثيرة قدّمها الإسلاميون أكثر من غيرهم ، فحماس على سبيل المثال والتي بحسب العرف الديموقراطي لها الحق في الاستئثار بالحكومة الفلسطينية ، رأيناها تتنازل عن حوالي نصفها للإخوة في فتح والمستقلين .

  وفي اليمن رأينا حزب التجمع اليمني للإصلاح ظل طوال أكثر من ربع قرن هو الحامي لنظام الرئيس صالح ، عرفهم عبر ما سُمي بالحروب الوسطى ، وعرفهم في حرب صيف 94م ، وعرفهم في كثير من أوقات المحن والشدائد الكثيرة والمتتالية التي مرّ بها النظام ، وإن كان الهدف ليس هو حماية كرسي الحكم بقدر ما هو حماية للوطن ومكتساباته ، والأمل الذي كان يحدوهم في أن يحسّن النظام من أدائه ، وأن يسعى نحو الإصلاح الشامل ، لقد ظلّ الإصلاحيون في اليمن يحتفظون بعلاقتهم الودية والعسلية مع الرئيس صالح ، حتى قال قائلهم في فترة من الفترات إن الرئيس هو مرشحنا للرئاسة ، فمن هو مرشح الحزب الحاكم ؟! ولم تسئ العلاقة إلا بعد أن ألغي الهامش الديموقراطي أو كاد وضيق على الحقوق والحريات ، وضيق على الرأي والمؤسسات ، وعلى وغلى صوت التزوير والمصادرة .

  وكذلك هم الآن يضربون المثل الرائع مجدداً في التقارب والتفاهم مع إخوانهم عبر اللقاء المشترك الذي يضم كثيراً من الأحزاب الوطنية ممن لديهم برامج مختلفة عن برنامج حزب الإصلاح ، أولئك الذين كانوا بالأمس القريب يستحيل عليهم أن يلقي أحدهم حتى تحية أو سلاماً ، على شبه إسلامي ، كأقل تقدير ، مما لا نريد أن نذكّر في هذا المقام بمآسيه وأوجاعه وكوابيسه المرعبة ، فضلا عن الجلوس على مائدة واحدة للحوار .

  وكذا الحال في السودان وما قدمه النظام الإسلامي هناك من تنازلات كبيرة للحركة الشعبية لتحرير السودان الجنوبية ، وعلى قاعدة المناصفة في كل شيء رغم أن حركة التحرير أقل سكاناً من الشمال .

وفي العراق قبِل الإسلاميون المشاركة في الحكم ، وقدّموا الكثير من التنازلات أيضاً ، منها القبول بالعملية السلمية والحوار السياسي السلمي حتى مع المحتل المغتصب ، بيد أن التيار العلماني لم يقبل بكل هذا التنازل ، وتم إبعاد الإسلاميين في تشكيل الحكومة الجديدة .

وقل مثل هذا أو قريبا منه في الكويت وموريتانيا والصومال ، وهلم جرا ، ممن يعانون الأمرّين من الاضطهاد العلماني .

  والسؤال المطروح الآن بعد كل هذا ، مالذي قدّمه التيار العلماني بالمقابل من تنازلات؟! ، إن صح التعبير، وإن كان المفترض ألا تكون العلاقة مبينة على التنازلات بل على التقارب والتعاون والتفاهم والتعاضد ، كمفاهيم يجب تعزيزها في العلاقات السياسية بين كل الأطراف .

ليسمح لي إخواننا العلمانيون في التيارات المعتدلة منهم في القول بأن محاولات الإقصاء والإلغاء لم يعد هذا عصرها ولا زمنها ، والخاسر الأكبر هي تلك الأنظمة المستبدة ، أياّ كانت ، في عدم فتح أبواب الحوار ، وعلى مصراعيه مع الآخر ، وتعزيز هذا الحوار وتطويره ، وتقديم المصلحة الشعبية والوطنية على المصالح الحزبية أو الشخصية الضيقة .

ثالثاً: تبقى لي بعض الملحوظات على الحوارات الإسلامية والعلمانية القائمة ، فمع أنها خطوة إيجابية طيبة ومباركة ، لكنها أيضاً لا تخلو من ملحوظات من أهمها :

1) ) حصر مهام الحوار في مواجهة السلطة الحاكمة على اعتبار أنها محور الشر ، أمر ليس بسديد ، ولا حسنٍ ولا كريم ، بل الواجب أن تتعدد مجالات التعاون والتنسيق في شتى المجالات الخدمية والصحية والإنمائية والاقتصادية ، وإذا عجزت هذه الأطراف عن التعاون المشترك وهي خارج إطار السلطة فستكون أكثر عجزاً وهي داخل السلطة ، إن أذن وجاد لها القدر .

  (2)
يعاني بعض الإسلاميين من التخلف الإداري فلا تزال بعض مؤسساتهم وجامعاتهم تعيش خلف الشمس ، فيما يمكن الإفادة من العلمانيين في هذا الجانب مع ما لديهم أيضا هم من فساد إداري ، فالجميع يعيش ضمن منظومة الدول النائمة ويستظل بسقفها ، بيد أنه في تقديري أن كثيراً من العلمانيين هم أحسن حالاً إدارياً من بعض الإسلاميين ، وإن كان من نجاح لبعض المؤسسات الإسلامية فلعل من أسبابه التلمذة على إداري علماني ، هكذا على الأقل فيما يبدوا لكاتب هذه الدراسة ، على اعتبار أن الإدارة علم من العلوم وفن من الفنون ، وإن كانت المسألة في كل الأحوال نسبية وتقديرية ، لكن لا مانع من الإفادة من التيار العلماني في شكله الإداري ، مع ما لديه كما ذكرت من جوانب قصور وخلل لا يخفى ، كما أن الإسلاميين لديهم تميز وإبداع في العناية بالتراث العلمي والحضاري والثقافي الإسلامي والعروبي ، يمكن للإخوة العلمانيين العودة إليهم ، في هذا الباب وهذا المجال ، الذي هم فيه مراجع ومصادر لا ينكرها أحد .

3) ) لا بد من الإشارة والإشادة والمباركة في هذا السياق والمقام ببعض التجارب الحوارية في الوطن العربي والإسلامي والتي أرى من أهمها الحوارات الطيبة في بعض دول الجزيرة والخليج وكذا في اليمن ، مع كافة التيارات وألوان الطيف السياسي ، وإن كان في هذا الأخير نسمع عن لجنة الحوار التي شكلها الحزب الحاكم ، فنفرح ونستبشر ، ثم لا تكاد حتى تنام نومة أصحاب الكهف ، ولا تسيقظ إلا على بعض الفرقعات ، ثم تعود للنوم ثانية ، وهكذا ، وأملنا في تصحيح مسارها ، وأملنا في تعزيز جديّتها .

كما أننا نتطلع إلى أن تتحول الحوارات في بعض دول الجزيرة والخليج إلى برامج عملية تترجم هذا الحوار إلى مشاريع ملموسة ومحسوسة ، ليخرج الحوار من الشكل إلى المضمون ، ومن الشعار إلى الممارسة .

  أخيراً هذه مقدمات أبجدية بين يدي موضوع الحوار الإسلامي العلماني ، أختمه بسؤال – للقارئ الكريم - يفرض نفسه ، وهو: أي التيارات الإسلامية والعلمانية لديها قدر أكبر ، وآفاق أوسع وأرحب في إطار الحوار الإسلامي العلماني؟ ، لعل قراءة متأنية لهذه الدراسة التي حاول فيها الكاتب جاهداً قراءة المشهد الإسلامي والعلماني ، قراءة مجردة ، بقدر طاقته ووسعه ، تجعل الإجابة سهلة وميسورة ، على أنه جهد قابل أيضا للنقد والتصويب ، ومن الذي ما ساء قط ومن الذي له الحسنى فقط .

                         
والله تعالى من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل ،،

Moafa12@hotmail.com