14 عاما من الصمت الغامض..علي سالم البيض اللي شبكنا .. يخلصنا
بقلم/ عبدالرقيب الهدياني
نشر منذ: 10 سنوات و 11 شهراً و 16 يوماً
الأحد 29 يونيو-حزيران 2008 02:05 ص
سؤال كبير يطرق تفكير المتابعين للشأن السياسي اليمني داخليا وخارجيا وكذا المنخرطين في الحراك الشعبي الجنوبي ، لماذا لزم علي سالم البيض كل هذا الصمت الغامض ، استمعنا لعلي ناصر والعطاس ووصلت المهرجانات برقيات التأييد من صالح عبيد وصالح شايف ومحمد علي أحمد وكثيرون ، لكن حال علي سالم البيض يبقى الاستثناء الوحيد ، 14 عاما منذ حرب صيف 94 م ، خرج البيض في يوم أسود دامي ولم نعد نسمع له تصريحا ولا تلميحا ، شهدت المحافظات الجنوبية احتجاجات واسعة ومتقطعة ومتفاوتة طيلة السنوات التي تلت اجتياح الجنوب من قبل قوات ( الشرعية ) ، لجان شعبية وحركات ( حتم ) ، ( موج ) وآخرها ملتقيات التصالح والتسامح وجمعيات المتقاعدين حيث رفعت صور الزعيم البيض في المهرجانات وهتف المتظاهرون باسمه ، غير أن علي سالم البيض بقي قاعدا دون أن يبدي أي حركة .

قيل – أو هكذا يشاع في أوساط الجميع – أن علي سالم البيض ملزم بموجب شروط الدولة المستضيفة ( سلطنة عمان ) تخليه عن ممارسة النشاط السياسي مقابل البقاء فيها ومنحه الجنسية العمانية ، غير أن تبريرا كهذا لم يعد مقبولا لدى الغالبية الكبرى من جماهير الحراك والمتابعين .

من الأقوال التي كان يرددها البيض أثناء الأزمة السياسية قبيل اندلاع حرب 94 م قوله ( اللي شبكنا يخلصنا ) وهو مقطع من أغنية للعندليب الأسمر عبدالحليم حافظ ، لكن البيض شبك الجنوب في مشاكل لا حصر لها , أصر على الوحدة الفورية وتنازل مضحيا بقبوله بمنصب نائب الرئيس في دولة الوحدة ، البيض شبكنا نعم ، لكنه لم يخلصنا ويفض الاشتباك بل رحل إلى مسقط وترك الجماعة يخلصوا على الجنوب بكل ما فيه من كادر بشري وثروة وتاريخ .

سكوته الطويل أرهق حتى من هتفوا باسمه ورفعوا صوره ، جعلهم حتى ينقلبون عليه غاضبين في أحايين أخرى ليتهموه بالجبن وكون صمته كل هذه المدة مدفوع الثمن ، أو انه تحول من صاحب مشروع كبير في بناء وطن موحد تنازل لأجله بالمنصب إلى صاحب مشروع صغير عبارة عن فندق في إحدى مدن الخليج – حد زعم الكاتب منير الماوري ـ لكن التساؤل يبقى منطقيا فرجل بحجم البيض صاحب التاريخ المشرف ، هل يمكن أن يوجد في قاموسه وثقافته مبلغ  مالي مهما كان حجمه يمكن أن يكون ثمنا  لتجاهل وطنه وناسه ، وإذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب،فإن من هتفوا باسم البيض وحملوا صوره كانوا يقولون لانريد الذهب نريد فضة ومعدن ابن حضرموت الأصيل .

من العبارات الساخرة التي كان يرددها البيض أيضا قوله ( متعوده .. دايماً ) وهي مقطع من مسرحية عادل إمام ( شاهد ماشافش حاجة ) وعليه فقد تعود البيض أن يفاجأ محبيه قبل أعداءه ( بنثراته ) الاجتماعية الشخصية ففي عام 79م تزوج بالثانية ( ملكي ) مما جلب عليه سخط رفاقه في الحزب و تم تجريده من مناصبه الحزبية والحكومية في عهد عبد الفتاح إسماعيل  بسبب ما قيل حينها عن اختراقه اللوائح الحزبية وقانون الأحوال الشخصية الذي يمنع الجمع بين زوجتين ، ثم هاهو اليوم بزواج ابنته ( تماني ) من الفنان اللبناني ملحم وتوقيت ظهوره عبر وسائل الإعلام في الوقت الذي يشهد فيه الجنوب بالذات حراكا شعبيا كبيرا ويتعرض للقمع والحصار وهناك شهداء وجرحى ومعتقلون ، لكن علي سالم البيض يظهر لأول مرة عبر وسائل الإعلام ليس متضامنا مع أهله في الجنوب بل في حفلة عرس ابنته الجميلة ينفق الملايين بينما شعبه يعيش أوضاعا مأساوية في شتى مجالات الحياة ليكون ذلك عامل جديد في جلب السخط على الزعيم ليتم هذه المرة تجريده من أي تعاطف أو حب أو حتى مجرد رفع صورته من قبل المواطنين الذين يعانون الأمرين من قبل الفاسدين ( الوطاويط ) كما كان يصفهم هو بنفسه في خطاباته .

سكوت البيض ليس له ما يبرره غير افتراضات إحداها أن الرجل بنضرته الثاقبة يرى أن الوقت غير مناسب للكلام أو أن الظروف الموضوعية للحراك القائم على الساحة لا تشجع كثيرا وليست فيها ـ بنظر البيض ـ ما يشير إلى ميلاد شيء حقيقي ومضمون وبالتالي فلماذا الصراخ ( والصدح بصوت الأذان في مالطا ) حيث لا يوجد مصلون ، هذه فرضية ، وربما أن الرجل الذي ضحى كثيرا وقدم دولة بما فيها من ثروة ومساحة وخيرات لمشروع تحمس له منذ انضمامه مبكرا لحركة القوميين العرب ، قد أصيب بالصدمة بعد ذهابه إلى صنعاء يخطو نحو حلمه الكبير لكن الشريك كان بلا مشروع غير مسلسل الإغتيلات لضيوفه القادمين من أقصى الجنوب والتحضير للاجتياح الشامل وتوسيع رقعة الجمهورية العربية اليمنية إلى كل الجنوب ، ثم الهزيمة النكراء في حرب صيف 94 م ، كل هذا ربما أصاب البيض باليأس والإحباط وأوصله إلى قناعة تامة باعتزال العمل السياسي الذي لم يجن منه غير الهزائم المتوالية والمتلاحقة ، والتفرغ باقي العمر للعيش مع أسرته وعائلته بعيدا عن وجع الدماغ والصراعات .

من هو البيض :

علي سالم البيض ( 1939 - )، رئيس جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الفترة من 1986 حتى 1990. وهو من وقع على إتفاق الوحدة مع رئيس اليمن الشمالي علي عبد الله صالح.

ولد عام 1939 في قرية معبر مديرية الريدة و قصيعر بمحافظة حضرموت، حيث تلقى تعليمه الابتدائي والمتوسط فيها. انتمى مبكراً إلى حركة القوميين العرب وكان من الشخصيات الأساسية في تنظيم الجبهة القومية، فتولى قيادة العمل العسكري في المنطقة الشرقية (حضرموت – المهرة ) ضد الاحتلال البريطاني. تلقى عدداً من الدورات العسكرية في القاهرة في الستينيات. كما كان له موقف معارض بشدة ضد الدمج بين القومية وجبهة التحرير (واجهتا المستعمر معاً وفق وجهة نظر مختلفة في فلسفة الثورة والكفاح المسلح لتتقاتلا في فترة لاحقة) وأعلن انسحابه من تنظيم الجبهة القومية وتشكيل تنظيم بديل اسمه ( الجبهة الشعبية لتحرير حضرموت). وبفشل الدمج عاد إلى تنظيمه الأم مع مجموعته التي انتزعها، وشغل موقع نائب عن شؤون الجيش والأمن في ما كان يسمى بالحكومة المؤقتة قبل يوم الاستقلال. تولى منصب وزير الدفاع في أول حكومة في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بعد الاستقلال وذلك حتى عام 1969. وتقلد أكثر من منصب حكومي في مرحلة ما بعد حركة 22 يونيو 1969. ظل عضواً للمكتب السياسي للجبهة القومية ثم الحزب الاشتراكي. وقد تم تجريده من مناصبه الحزبية والحكومية في عهد عبد الفتاح إسماعيل في ما بين العامين 1979 - 1980 بسبب ما قيل حينها عن اختراقه اللوائح الحزبية وقانون الأحوال الشخصية الذي يمنع الجمع بين زوجتين. لكنه عاد إلى واجهة الحياة السياسية في حكومة علي ناصر محمد وتولى وزارة الحكم المحلي.

بانفجار أحداث 13 يناير 1986 كان من الشخصيات التي تمحورت حول مجموعة عبد الفتاح ونجا من الموت بأعجوبة صبيحة ذلك اليوم في مبنى اللجنة المركزية، وخرج متخفياً في إحدى المدرعات مع عبد الفتاح إسماعيل، غير أن الأخير اغتيل بصورة غامضة بينما نجا هو بصورة غامضة أيضا ، وتولى منصب الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني عقب تلك الأحداث الدموية.

في 30 نوفمبر 1989 قام بالتوقيع على اتفاقية عدن الوحدوية ودستور دولة الوحدة مع الرئيس علي عبدالله صالح. وبإعلان قيام الجمهورية اليمنية في 22 مايو 1990 تولى منصب نائب رئيس مجلس الرئاسة إضافة إلى موقعه الحزبي كأمين عام للحزب الاشتراكي حتى مايو 1994.

في 21 مايو 1994م أعلن البيض الانفصال وقيام جمهورية اليمن الديمقراطية وهو رئيسا لها لمدة لم تتجاوز الشهر تقريباً ثم نزح مع دخول قوات ( الشرعية ) من عدن يقيم حاليا في سلطنة عمان بعد ان منحته حق اللجوء السياسي. كما اعتزل العمل السياسي منذ حرب 1994 .

  نقلا عن اسبوعية ( الوطني ) الصادرة من عدن