آخر الاخبار

ضربة أمنية موجعة لتجار السموم في عدن.. سقوط 3 مروجين للمخدرات وضبط كميات كبيرة بحوزتهم قبضة الأمن تطارد الهاربين.. شرطة عدن تُسقط متهمين في قضيتي شروع بالقتل بعد ملاحقات أمنية تحركات حكومية في عدن لحشد دعم دولي للقطاع الأمني.. لقاء رفيع يبحث تعزيز الأمن والاستقرار ومواجهة انتهاكات الحوثيين وزير الاتصالات اليمني: أي تصعيد عسكري سيقوض ما أُنجز في قطاع الاتصالات ويحذر من تداعياته على مؤسسات الدولة خدمة الفيفا للحماية الإلكترونية تكشف ملايين الرسائل المسيئة في كأس العالم إيران توسّع هجماتها العسكرية باتجاه الدول العربية انتقامًا من الغارات الأمريكية. لأول مرة.. طائرات حربية مقاتلة للقوات المسلحة اليمنية تنفذ عمليات عسكرية الرئيس يؤكد عدم السماح بوصول أي رحلة جوية خارج اختصاص الدولة ويضع الحوثي أمام بديل واحد اللجنة الأمنية بحضرموت تتوعد بملاحقة منفذي هجوم قوات درع الوطن وتقديمهم للعدالة رئيس مجلس القيادة: نجاح أي معركة عسكرية أو سياسية مرتبط بكسب الموقف الدولي وترسيخ الرواية الوطنية.. ويوجه البعثات الدبلوماسية بتعزيز العزلة الدولية للحوثيين

حين يصبح الشهداء ضحايا إصلاحات وزير الدفاع؟
بقلم/ سيف الحاضري
نشر منذ: 3 أسابيع و يوم واحد و 10 ساعات
الجمعة 26 يونيو-حزيران 2026 05:41 م
 

لم أجد الكلمات التي أرفع بها التهاني لمعالي وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي على ما وصفه بأنه أحد أهم إصلاحات وزارة الدفاع.

 

قرارٌ قاله معاليه بلغة المنتصر، وهو يقف أمام جمعٍ من الضباط في إحدى الأكاديميات العسكرية، معلنًا أنه أصدر توجيهًا بإيقاف الاعتمادات التي كانت تُصرف لعددٍ من قادة الجيش الذين ارتقوا شهداء في جبهات الدفاع عن مأرب واليمن.

قالها بكل ثقة، وكأن الأمر إنجازٌ يُحتفى به.

لكنني، ولأول مرة منذ عرفت بلاط الصحافة، وجدت نفسي أكتب بمدادٍ امتزج بقهرٍ تعجز الكلمات عن حمله.

نحن لا نتحدث عن أسماء في كشوفات مالية، ولا عن أرقام في موازنة الدولة. نحن نتحدث عن رجالٍ حملوا أرواحهم على أكفهم، وسقطوا وهم يقاتلون دفاعًا عن الجمهورية والكرامة والوطن.

كيف يمكن أن يتحول اسم الشهيد الذيباني “أبو منير”، أو الشهيد عبدالرب الشدادي، أو الدكتور الحاضري، أو الشيخ ربيش العليي، أو الوائلي، أو الحرملي، أو الصيادي، أو الصائدي ، أو عبدالغنى سلمان، أو محمد الركن، أو أحمد العقيلي، أو بكيل ظفر، أو زيد الشومي، أو عبدالعزيز حنكل، أو عبدالواحد دوكر ،أو ناجي حنشل وغيرهم من مئات من القادة الشهداء… إلى بندٍ يُلغى بقرار إداري؟

 

قد يكون لدى معالي الوزير مبرره حين قال إن صرف تلك الاعتمادات للشهداء، في ظل عدم وجود اعتمادات مماثلة للجنود الشهداء، يمثل نوعًا من عدم المساواة.

 

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل يكون علاج الظلم بإلغاء ما بقي من رمزية الوفاء، أم بتوسيع دائرة الإنصاف لتشمل الجميع؟

 

إذا كان الجندي الشهيد مظلومًا، فإن العدالة تقتضي أن يُكرَّم، لا أن يُجرد القائد الشهيد مما بقي له من تقدير. فالحقوق لا تُبنى على إنقاص حقوق الآخرين، وإنما على استكمال النقص حيث وُجد.

 

ولو أن معالي الوزير أراد أن يبعث برسالة تضامن حقيقية مع الجنود، لبدأ أولًا بالامتيازات الضخمة التي يحصل عليها الأحياء من كبار المسؤولين والقادة، وفي مقدمتهم وزير الدفاع نفسه، قبل أن تمتد يد الإصلاح إلى أسماءٍ غادرت الدنيا ولم يبق لها سوى دعاء أبنائها ووفاء وطنها.

ويبقى سؤالٌ لا أملك إلا أن أطرحه بكل احترام:

هل يرضى معاليكم أن يسجل التاريخ أن أبرز إصلاحاتكم في وزارة الدفاع بدأت من حقوق الشهداء؟

هل يليق بسجل قائدٍ عسكري أن يُكتب فيه أنه حين امتلك سلطة القرار، كانت أولى خطوات الإصلاح تقليص ما تبقى لمن رحلوا دفاعًا عن الوطن؟

إن التاريخ لا يتذكر كثرة القرارات، بل يتذكر رمزية القرارات. وسيظل يفرّق بين قائدٍ بدأ الإصلاح من منابع الفساد والهدر والامتيازات، وبين قائدٍ بدأه من أسرٍ فقدت آباءها وأزواجها وأبناءها في ميادين الشرف.

 

ولا يليق بمعاليكم أن يكتب التاريخ عنكم أنكم صاحب المقولة التي وصفت الاعتمادات التي كانت تُصرف لحفظ كرامة أسر قادة الجيش الذين استشهدوا دفاعًا عن الجمهورية بأنها “فساد”.

 

فهؤلاء الرجال لم يسقطوا في ميادين القتال طلبًا لامتياز، وإنما ارتقوا ليبقى هذا الجيش قائمًا، وليبقى للوطن وزير دفاع، وقيادة، ودولة.

وإذا كان لا بد من معركةٍ ضد الفساد، فلتكن حيث يختبئ الفساد حقًا؛ في مواطن الهدر، والامتيازات غير المستحقة، واستنزاف المال العام. أما الشهداء، فلا ينبغي أن يكونوا عنوانًا لمعركة الإصلاح، بل عنوانًا لمعنى الوفاء، ورمزًا لما تدين به الدولة لمن بذلوا أرواحهم لتبقى.

 

إن الاعتمادات التي تُصرف للشهداء، مهما كان حجمها، لن تعيد إليهم الحياة، ولن تعوض أبناءهم عن اليتم، ولن تمسح دموع زوجاتهم، لكنها كانت تقول لأسرهم إن الدولة ما زالت تتذكر من ماتوا من أجلها.

 

أما حين تكون أولى رسائل الدولة إلى أسر الشهداء هي إيقاف ما بقي لهم، فإن الجرح لا يكون ماليًا فحسب، بل يصبح جرحًا في معنى الوفاء ذاته.

 

ما زلت أؤمن أن أمام معالي الوزير فرصةً لمراجعة هذا القرار، لا لأن أحدًا انتصر عليه، بل لأن الدولة تنتصر كلما أعادت الاعتبار لمن صنعوا وجودها، ولأن أعظم الإصلاحات هي تلك التي تُنصف الأحياء، وتحفظ للشهداء مكانتهم، وتصون كرامة أسرهم، فلا يشعر أبناؤهم يومًا أن تضحيات آبائهم كانت أول ما امتدت إليه يد الإصلاح.

 

فالإصلاح الذي يبدأ من الشهداء، يبعث برسالةٍ قاسية إلى الأحياء.

 

وما من جندي يقف اليوم على خطوط النار إلا وسيحدث نفسه: إذا كان هذا ما آل إليه وفاء الدولة بمن سبقونا إلى الشهادة، فماذا ستترك لنا إن جاء دورنا؟

 

وهنا تكمن الخسارة الأكبر… لأنها لا تمس بندًا ماليًا، بل تمس الثقة، والروح المعنوية، ومعنى التضحية ذاته