دروس من ملحمة المقاطعة
بقلم/ إحسان الفقيه
نشر منذ: شهر و يوم واحد
الإثنين 02 نوفمبر-تشرين الثاني 2020 09:42 م
 

ودعت ضحكتها في بلدان العالم الإسلامي، فالجميع غاضبون، غاضبون جدًا.. «انتبه، السيارة ترجع إلى الخلف» ليست السيارة وحدها، المغامر الفرنسي كذلك يرجع إلى الخلف، يحاول لعق كلامه، بعد أن أفزعته ملحمة المقاطعة، لا عجب أنه لم يكن يعمل حسابًا لنتائجها، فنحن أيضًا لم نكن نعلم أنها ستكون هذه المرة بهذه القوة.

بين الأمس واليوم طلْعة شمس، يستطيع ماكرون أن ينثر على أشعتها كلماته، ويفرزها جيدا ليعثر على المخرج المناسب من الورطة، فلا عجب أن يتحول الخطاب من (لن نتخلى عن الرسوم الكاريكاتيرية) إلى (الرسوم الكاريكاتيرية ليست مشروعا حكوميا، وقد أصدرتها صحف حرة ومستقلة غير تابعة للحكومة). حقا، السيارة ترجع إلى الخلف..

«الآن فهمتكم» مسرحية الكاتب أحمد حسن الزعبي، المستوحاة من خطاب الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي عندما قال عشية الفرار: أنا فهمتكم. لماذا يفهمون ويتفهمون متأخرين؟ حتى ماكرون، لم يتفهم مشاعر المسلمين تجاه الإساءة لنبيهم، إلا بعد أن ألمّت به متاعب المقاطعة. الآن أدرك ماكرون أن المسلمين الذين يتهمهم بالإرهاب هم أكثر ضحايا الإرهاب؟ الآن علم ماكرون أن الإسلام لا تمثله فئة منحرفة بعيدة عن تعاليمه؟ قديما قال الفاروق: «إذا ضربت فأوجع، فإن العاقبة واحدة» يبدو أن ضربة المقاطعة كانت موجعة، بل هي الأقوى من نوعها، وقد شهد شاهد من أهلها على ذلك وهو بنيامين بارت مراسل صحيفة «لوموند» الفرنسية، حيث قال إنه لا يتذكر أنه رأى من قبل شيئا بهذا الحجم وعلى هذا المدى. وأجد هنا حضورًا لقانون نيوتن «لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومضاد له في الاتجاه» فتلك هي المرة الأولى التي يرعى فيها نظام دولة، الإساءة لنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، بل تحدى العالم الإسلامي بأسره وهو يصر على التمسك بها، رغم الأضرار الجسيمة التي خلّفها موقفه هذا، فكان رد الفعل قويًا، أشد من كل مرة، وكان الغضب هادرًا بصورة غير مسبوقة.

يقولون في المثل الفلبيني: «الفم المطبق لا يدخله الذباب» ربما كان هذا أول ما تعلمه ماكرون من تهوره وجرأته على مقدسات أمة تقترب من المليارين عددًا، لكنه ليس وحده من علمته المقاطعة دروسًا، نحن أيضًا تعلمنا منها الكثير. تحررنا من الخضوع للمثبطين القائلين، إن المقاطعة هي سلاح المتقاعسين والمسوفين والعجزة، وإنها لن تقدم أو تؤخر شيئًا في قضايا الأمة، هؤلاء المثبطون منهم من يهوِّن ويُحقِّر من شأن المقاطعة، لأنها لا تتناسب مع اتجاهاته العنيفة التي لا تجعله يرى سوى الرد بالدم.

ومنهم من يثبط عن المقاطعة انطلاقا من تماهيه مع التوجهات الغربية، ولو على حساب قضايا الأمة، وهؤلاء هم أصحاب المنابر من الإعلاميين وأدعياء العلم بالشريعة، والذين دعوا الجماهير لعدم المقاطعة، بزعم أنها تضر الداخل، وليست من الإسلام في شيء، لكنهم في الوقت ذاته لا يجدون أدنى حرج من الدعوة لمقاطعة المنتجات القطرية والتركية.

المثبطون من شيوخ السلطة، طالعوا في السيرة النبوية مقاطعة قريش لبني هاشم وبني عبد المطلب ثلاث سنوات، وطالعوا ما فعله الصحابي ثمامة بن أثال بعدما أسلم عندما قال لمشركي مكة: «والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم» لكنهم إزاء المقاطعة للمنتجات الفرنسية بدوا كتلك المخلوقات التي تحمل أسفارا.

المثبطون كذلك من المحسوبين على النخب الثقافية عملوا على التخذيل، رغم علمهم بوقائع التاريخ الدالة على استخدام سلاح المقاطعة، وتأثيره على القضايا العامة، قد استخدمها الأيرلنديون إبان حركة تحرير أيرلندا من الاحتلال البريطاني، حيث رفض حلف الفلاحين التعامل مع أصحاب الإقطاعات الزراعية ووكلاء اللوردات الإنكليز. استخدمها السود في مونتغمري عاصمة ولاية ألباما الأمريكية، عندما قاطعوا نظام سير الحافلات، للقضاء على سياسة الفصل الاجتماعي داخل الحافلات، حيث كان القانون ينص على أن يُخلي الأسود مقعده في الحافلات لصالح الأبيض، إلا أن روزا باركس الأمريكية السوداء، التي تعمل في مجال الخياطة غيّرت برفضها تطبيق ذلك القانون مجرى التاريخ. وحتى مطلع التسعينيات قاطع كثير من المستهلكين في عدة دول، منتجات جنوب افريقيا احتجاجا على سياسة التفرقة العنصرية.

وكان يا ما كان يا سادة يا كرام، في سالف العصر والأوان، أمة تقاطع عصابة صهيونية احتلت فلسطين، لكنها نسيت، وما أسرع نسيانها..

وعلى الرغم من ذلك فإن هذه الأمة تمرض ولا تموت، وجاء الإصرار الجماهيري على المقاطعة للمنتجات الفرنسية برهانا على حياتها، بعدما ظن الرائي والسامع أنها لن تحرك ساكنا ولو نُقلت الكعبة إلى تل أبيب.. في الدول العربية تحركت دوائر رسمية ومنظمات المجتمع المدني ومؤسسات دينية واقتصادية وشخصيات مرموقة، في قطر والكويت والأردن والمغرب وغيرها، للتنديد بالموقف الفرنسي المتطرف، وعملت على تفعيل سلاح المقاطعة. الشعوب الإسلامية تحركت، وعلى رأسها الكويت وقطر وتركيا، وحتى الدول التي تغرد خارج السرب، لم تؤثر تلك الفجوة بينهم وبين حكامهم على تعاطيهم الجاد مع مقاطعة البضائع الفرنسية، وأبرز مثال على ذلك الشعبان المصري والسعودي. أما اليمن، الدولة التي أنهكتها الحرب وأتت على أخضرها ويابسها، فهي تخوض أيضًا معركة المقاطعة، فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.

الشعوب قالت الكثير وهي تملأ صفحات التواصل الاجتماعي بدعوات المقاطعة، حين تدخل الأسواق يدهشك أن البائعين يدعونك إلى ترك البضائع الفرنسية والإقبال على ما سواها، حتى بائع الخمور في المغرب، قد استشعر المسؤولية وقاطع الخمور الفرنسية، فالجميع حتى لو كانوا مقصرين في اتباع الهدي النبوي، إلا أن ذلك الهتاف ينبعث من قلوب الجميع لا محالة: إلا رسول الله. رؤساء دول إسلامية غير عربية أظهروا ردود أفعال مشرفة، الرئيس الماليزي، والباكستاني، وحتى الشيشاني الذي يعد رجل بوتين، أصدر تصريحا شديد اللهجة ضد ماكرون، ورد على الإساءة للجناب النبوي، بتخصيص مبلغ مائة ألف روبل لكل عائلة تسمي ولدها «محمد». أما الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فهو الحاكم الوحيد الذي دعا رسميا وبصورة علنية إلى مقاطعة البضائع الفرنسية، ما زاد من حدتها في بلاده وسائر العالم الإسلامي، وأنتظرُ ممن تضيق صدورهم لمجرد ذكر اسم الرجل، أن يبادروا إلى القول بأنه يهدف من ذلك إلى زعامة العالم الإسلامي، حسنًا، أتمنى من كل زعيم عربي أن يصنع كصنيعه، ويفوز هو بقيادة العالم الإسلامي، على العين والرأس، سنحملهم على الأعناق.

إن قومًا دخلوا تحت العباءة الغربية قد أحرجهم موقف أردوغان، وودوا لو مرّ على الحادث مرور الكرام كغيره، يذكرونك بمجاعة البطاطس في أيرلندا، حين أعلن السلطان العثماني عبد المجيد التبرع لها بعشرة آلاف استرليني، فأرسلت ملكة إنكلترا تطلب منه التبرع بألف فقط، لأنها تبرعت بألفين، وهي من المفترض أن تكون أكبر المتبرعين. لعل المقاطعة وإحداثها هذا التأثير الملموس حتى اليوم، تفتح أعينًا عميت عن أهمية الجهد السلمي الحضاري المنظم في الدفاع عن قضايا الأمة، وتجلي حقيقة الدفاع عن المقدسات لأولئك الذين يواجهون الأزمات بصورة فردية، نيابة عن الأمة بأسرها، ويتحركون بالعاطفة المجردة من النظر في مآلات الأمور والمرّ الذي تحصده الأمة الإسلامية.

المقاطعة المنظمة المستمرة، من شأنها أن تهدد اقتصاد فرنسا التي تعاني أصلا من أزمات اقتصادية وسياسية، تهدد عرش ماكرون، فهي أشد وأنكى وأقرب للردع من حوادث الثأر الفردية، التي تُحسب على المجموع، لو كانوا يفقهون. لعل من أبرز ما تراه الأعين في ملحمة المقاطعة قضية الهوية، علام نجتمع؟ وأي راية نرفع؟ وكيف نعيد تعريف أنفسنا؟

اجتمعت الشعوب في هذه الملحمة على الدفاع عن المقدسات الإسلامية، وذابت فيها كل الخلافات، فلماذا لا نعود إلى هويتنا الإسلامية؟ لا أجد حرجا أن أقول بملء فيّ: كنا قبائل متناحرة متفرقة لا يجمعنا نظام، وأمورنا بيد الفرس والروم، ثم جاءنا الإسلام ليرفعنا فوق رؤوس العالمين، وامتزج الإسلام بالعروبة أعطاها، وأخذ منها، وصار يُعبر عن أحدهما بالآخر، ثم بزغت نعرات قومية تقول: العرب، العرب، فاختُزِلت هويتنا، وتفرقت عنا شعوب أخرى، كنا وإياها في بوتقة واحدة، فلمْ نحافظ على عروبتنا العرجاء، وصار كل حزب بما لديهم فرحون، واتفقنا على أن نختلف، فلما تنكرنا للعروبة، نادينا بالوطنية، وصار الشعار: أنا داخل حدودي ومن بعدي الطوفان، لكن طوفان العولمة ابتلع وطنيتنا، وجعل العالم غرفة واحدة يختلط فيها الحابل بالنابل، وذابت ثقافتنا في ثقافات غيرنا الوافدة، وانتمى المواطن لشركات عابرة للقارات تتحكم فيها دول عظمى تفرض ثقافتها، فصرنا بلا هوية.

لا أرى حلا لأزماتنا سوى استعادة الهوية الإسلامية، التي يسير تحت مظلتها العربي والتركي والفارسي والكردي والأوروبي، تستوعب وتضم قوى بشرية وعسكرية واقتصادية هائلة، تتكامل فيها الجهود، ونفرض نموذج السلام المنشود القائم على العدل والرحمة، لا سلام الحملان، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.