كثيرٌ من المصلين في ليالي رمضان، يسعون إلى طلب الخشوع وطلب الإمام الصيّت والأندى صوتًا، وقد يجدون مندوحة في هذا السعي الحثيث للائتمام بإمامٍ تخشع لتلاوته القلوب، ويحي الله بندى صوته موات بعض القلوب التي ربما ران عليها الزمن، وتكدست عليها أغبرة الغفلة وأتربتها، طوال العام، وعملًا بحديث (قم مع بلال فإنّه أندى وأمدّ صوتًا منك). أخرجه الترمذي وأبو داوود، وغيرهما، وحسنه الألباني. وهذا القدر لا إشكال فيه كبير، ولكن ينبغي مراعاة أمورٍ فقهية ، وهي :
- ألا يؤدي طلب إمام حسن الصوت ومسجد تجتمع فيه الناس، إلى إغلاق مسجد آخر، فلو أدى طلب الأندى صوتًا إلى إغلاق بعض المساجد، سيما المساجد التي تكون في الأحياء الصغيرة، فهذا لا يجوز، لأنّ فيه هجر لبيوت الله، بوجه من الوجوه، بل الأفضل الصلاة في المساجد الصغيرة أولى وأجود وأكثر أجرًا، إذا كان بنية طلب الأجر والمثوبة في إحياء السنة، ولأنّ في صلاة التراويح في المساجد الصغيرة، عمرانًا لها، بدلًا من غلقها أو هجرها. وفي صحيح مسلم: (من سنّ في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا).
- ينبغي أن يتم اختيار الأئمة والمؤذنين، الأندى صوتًا ما أمكن، أو أن يتم التوفيق بين الأئمة والمؤذنين بحيث يكن أحدهما أندى صوتًا، للتناوب والتعاون في الصلاة، سيما صلاة التراويح والقيام والتهجد، وفي العادة أنّ الإمام المُلِم بأحكام التلاوة والتجويد يهبه الله ندىً في صوته طبيعيًا، لأنّ القرآن العظيم في طبيعة تلاوته ومدارسته والصلاة به، زينةً للصوت، وحلاوةً وجمالًا ذاتيًا، ولا تكاد تجد هذه الصفة – ندى الصوت- خاليةً من الإمام أو المؤذن المتقن لكتاب الله وتلاوته آناء الليل وأطراف النهار.
- لا يبغي المبالغة في السعي الحثيث في طلب الأندى صوتًا، بأن يكون في الطلب غلو وتشدد، بل المراد ب "الأندى" قدر من الوسطية والاعتدال، بلا مبالغة ولا تصنع، من جهة الإمام، وكذلك من جهة المأمومين بألّا يكن ذلك شرطًا للإمامة، بحيث يسعى بعض المأمومين في البحث عن الأندى صوتًا، وربما فاتته صلاة الفريضة وهو يطلب الأندى صوتًا!!.
- ينبغي لإدارات المساجد أن تحرص على اختيار الأحفظ لكتاب الله والأعلم به، ثم الأندى صوتًا، وألا يقدّم الأندى صوتًا على الأحفظ والأعلم، لأنّ في تقديم الأندى صوتًا والأقل علمًا وفقهًا وحفظًا لكتاب الله، تزيين وفتنة، وربما اتسعت الفتنة فتحوّل هذا الندى صوتًا إلى مسابقة بين الأئمة في الأكثر جمهورًا ومتبوعين، وتحولت عبادة الصلاة أشبه بمباريات ومسابقات وماراثون سباق، وخفّ أو قلّ التعبد والإخلاص لله تعالى، وضاعت حقيقة وجوهر التعبد والعبادة، المبنية على الذل والخضوع والانقياد لله عزوجل، لا عبادةً بحسب الهوى والذوق، سيما إذا تحولت "الأندى صوتًا" إلى ثقافة عامة، ونوع من التجارة والتنافس المادي، وهذا أمر إن وقع بلا قصد ولا طلب بأن انتشرت وذاعت بعض التلاوات بلا طلب ولا حرص ولا تكسب، فلا حرج فيها، لأنه لا ضرر منها، بل هي من قبيل نشر تعليم كتاب الله وتعلمه وتعليمه وتلاوته آناء الليل وأطراف النهار، خاصة أنّ بعض الأئمة بل غالبًا لا يطلبون عوائد مالية أو تجارية لتلاواتهم، مهما ذاعت وانتشرت، لكن قد يأتي زمان تتحول حناجر الأئمة إلى ميدان للتنافس والتكسب.
والله تعالى من وراء القصد، والحمد لله رب العالمين.
Moafa12@hotmail.com