الإمارات وسقوط سردية الاستقرار والازدهار
بقلم/ سيف الحاضري
نشر منذ: شهر و 26 يوماً
الخميس 19 فبراير-شباط 2026 10:22 م
 

المسألة لم تعد خلافًا سياسيًا عابرًا حول دور إقليمي هنا أو هناك. ما تواجهه الإمارات اليوم يتجاوز حدود التنافس السياسي إلى مستوى أعمق: أزمة معنى.

 

الإمارات بنت سرديتها منذ تأسيسها على ثلاثية واضحة: الاستقرار، الازدهار، والبراغماتية الهادئة. هذه السردية لم تكن مجرد خطاب دعائي، بل كانت استثمارها الأكبر في الوعي العربي والدولي. غير أن السياسات الإقليمية خلال العقد الأخير — خصوصًا في اليمن، والسودان، وليبيا — أعادت تشكيل صورة مغايرة في أذهان قطاعات واسعة من الشعوب العربية والإسلامية.

 

وهنا تبدأ الأزمة الفلسفية.

 

الدولة يمكن أن تخسر نفوذًا سياسيًا وتستعيده.

يمكن أن تتعرض لهزة اقتصادية وتتعافى.

لكن حين تنفصل صورتها الأخلاقية عن سرديتها الأصلية، فإنها تدخل في مأزق وجودي.

 

ما يتشكل اليوم حول الإمارات ليس مجرد نقد سياسي، بل وعي جمعي متراكم يرى في سياساتها عامل اضطراب أكثر منه عنصر استقرار. هذا التحول في الإدراك أخطر من أي مواجهة عسكرية أو خلاف دبلوماسي، لأنه يستقر في المخيال الشعبي، ويتحول مع الزمن إلى قناعة راسخة.

 

القوة الصلبة تستطيع فرض واقع.

لكنها لا تستطيع فرض قبول.

والقبول هو جوهر الشرعية في زمن الشعوب.

 

إذا استمرت الإمارات في النهج ذاته، فإن قدرتها على استعادة صورتها تبدو محدودة للغاية. لأن المشكلة لم تعد في مستوى الأداء السياسي، بل في بنية القرار التي أنتجت هذا المسار. وعندما تصبح بنية القرار نفسها محل تساؤل، فإننا نكون أمام أزمة بنيوية لا أزمة ظرفية.

 

التحول المطلوب — إن أُريد احتواء هذا التآكل — ليس تعديلًا تكتيكيًا، بل مراجعة عميقة تعيد تعريف الدور الإقليمي للإمارات، وتعيد ضبط معادلة القوة والنفوذ بما ينسجم مع صورتها التي أرادت ترسيخها.

 

وهنا يظهر مفهوم الثمن.

 

إعادة تشكيل المسار السياسي لا تتم بلا كلفة. والتاريخ يعلّمنا أن التحولات البنيوية الكبرى تفرض دائمًا إعادة ترتيب داخل النخبة التي رسمت السياسات السابقة، لأن استمرارها بالآليات ذاتها يعني استمرار النتائج ذاتها.

 

في حالة الإمارات، فإن المسؤولية التاريخية تقع على عاتق حكام إمارات الاتحاد كافة، دون استثناء. فالوعي الجمعي العربي اليوم لا يفرق بين صانع القرار والصامت عنه. الصمت في نظر الشعوب ليس حيادًا، بل شراكة ضمنية في إنتاج السياسات وتسويقها.

 

إذا لم تبادر القيادة الإماراتية إلى مراجعة شاملة، فقد تجد نفسها أمام صورة ذهنية ترسخت بعمق يصعب تفكيكه. وعندها لن تكون الأزمة أزمة نفوذ، بل أزمة قبول إقليمي.

 

الدول لا تسقط حين تُهزم عسكريًا فقط.

بل تسقط حين تفقد احترام محيطها.

 

والإمارات اليوم أمام لحظة مفصلية:

إما أن تعيد تعريف نفسها بإرادة داخلية واعية،

وإما أن تترك صورتها تتصلب في وعي الشعوب كقوة بلا معنى.

 

والقوة التي تفقد معناها… تتحول مع الزمن إلى عبء على أصحابها قبل خصومها .. فهل ينقذ حكام الاتحاد الإمارات من الانهيار بعد سقوط سردية الصورة ؟!! ..