مؤسسة الشموع تطالب اللواء سلطان العرادة بالتدخل للتحقيق في إحراق مقرها وتعويضها عن الأضرار
الدول الكبرى تطلق احتياطيات نفطية استراتيجية لاحتواء جنون الأسعار وتأثيرات الصراع
غوارديولا يودّع المستقبل: سأفتقد سيلهرست بارك وجوديسون بارك
ثلاثية تاريخية… صلاح أول لاعب يفوز بجائزة الأفضل في إنجلترا ثلاث مرات
رسالة غضب ووصمة عار: ريال مدريد يفرض قيوداً صارمة على مدرجاته
وكالات أممية ومنظمات دولية تحذر.. المجاعة تطرق أبواب اليمن بسبب الحوثيين
ما بدائل دول الخليج لتأمين إمدادات التجارة والغذاء بعد اغلاق مضيق هرمز؟
اليمن يتصدر المحفل القرآني… الحافظ بدر حيدرة يحقق المركز الأول في المسابقة الإقليمية لحفظ القرآن الكريم
بعد أقل من 48 ساعة على تهنئة سلطان عمان ومفتيها للمرشد الجديد… هجوم إيراني مدمر يستهدف أكبر منشآت النفط في ميناء صلالة العماني
الإرياني: الحوثيون يهربون من أزماتهم الداخلية بتهديد الانخراط في الحرب الإقليمية
أتذكر وأنا طفل صغير كيف كان جهاز الإذاعة يرافقني في كل مكان؛ في زوايا البيت، وبين الطرقات، وعلى سطح المنزل تحت أشعة الشمس الذهبية، وفي الليل تحت ضوء القمر الفضي. كانت إذاعات صنعاء وعدن وتعز والحديدة كنجوم تهديني في سماء المعرفة، وكل موجة من الأثير تأخذني في رحلة لا تنتهي بين الصوت والكلمة، بين الواقع والخيال.
كنت أعشق أذاعة مونت كارلو الدولية، أتابع الأخبار البعيدة وكأن العالم كله يمر من نافذة صغيرة بين يدي، وفي الوقت ذاته أنصت للأصوات اليمنية التي تنقل نبض الناس وحكاياتهم اليومية. لم تكن الإذاعة مجرد وسيلة إعلام؛ كانت صديقًا صادقًا، يعلمني دون أن أشعر، ويزرع داخلي حب السؤال والمعرفة.
كبر الحلم معي. أردت أن أكون جزءًا من هذا الصوت، أن أكون ذلك الشخص الذي يصل إلى الناس حتى وهم لا يرونه. درست الإعلام، واخترت الإذاعة تحديدًا، لأنني أدركت مبكرًا أن الميكروفون ليس جهازًا فقط، بل مسؤولية… وأن الكلمة المسموعة تستطيع أن تصل إلى حيث لا تصل الكتب ولا الشاشات.
فالإذاعة في اليمن ليست ترفًا إعلاميًا، بل وسيلة حياة. هي المنبر الوحيد القادر على الوصول إلى القرى البعيدة، إلى المزارع، إلى الراعي في الجبل، وإلى العامل في الطريق، وإلى الأمي الذي لا يقرأ صحيفة ولا يتابع شاشة. تصل إلى الأم البسيطة التي قد ترمي أطفالها إلى الحياة دون وعي كافٍ بأساليب التربية أو مخاطر الجهل، فتسمع عبر الأثير نصيحة تغيّر سلوكًا، أو معلومة تنقذ طفلًا، أو فكرة تفتح نافذة أمل.
وهنا تكمن خطورة الإذاعة وأهميتها في آنٍ واحد؛ فهي الوسيلة الأقدر على مواجهة الفكر السلالي المغلق الذي يقوم على تغييب الوعي وتكريس الجهل. فحين يُحاصر الإنسان بالفقر والأمية، يصبح الصوت الصادق هو المدرسة الوحيدة المتبقية. والإذاعة تستطيع أن تخاطب العقول بلغة بسيطة، وأن تفكك الأفكار المتطرفة دون صدام، وأن تعيد تعريف الإنسان بنفسه كمواطن لا تابع.
لقد أدركت الجماعات المؤدلجة مبكرًا قوة الكلمة المسموعة، فخاضت ما يمكن تسميته “حرب الوعي الباردة”، عبر الشعر والخطاب التعبوي والمنابر الموجهة، محاولة إعادة تشكيل العقل الجمعي وفق رؤية سلالية ضيقة. وفي المقابل، تبقى الإذاعة الحرة خط الدفاع الأول؛ لأنها تخاطب الناس بلغتهم اليومية، وتدخل البيوت بلا استئذان، وتمنح المستمع فرصة التفكير دون إكراه.
كانت الإذاعة دائمًا مدرسة مفتوحة؛ تقدم برامج للمرأة والطفل وكبار السن، وتنشر الوعي الصحي والاجتماعي، وتشرح للناس شؤون الزراعة والمناخ والحياة اليومية. وهي بذلك لا تبني معرفة فقط، بل تبني إنسانًا قادرًا على الاختيار، وهذا ما تخشاه كل مشاريع التجهيل.
اليوم، وأنا أقف خلف الميكروفون، أشعر أنني أعود إلى ذلك الطفل الذي كان يستمع بشغف تحت ضوء القمر. الفرق الوحيد أنني أصبحت جزءًا من الأثير نفسه، أحاول أن أكون صوتًا يصل إلى من لا صوت لهم، ورسالة وعي في زمن تتصارع فيه الأفكار أكثر مما تتصارع البنادق.
فالإذاعة لم تكن يومًا مجرد ذكريات جميلة… بل ما زالت جسرًا بين الإنسان والحقيقة، ومنارة صغيرة تقاوم العتمة، وصوتًا قادرًا على حماية المجتمع حين تضعف المدارس وتغيب الكتب وتضيق مساحات الحوار.
وفي يمنٍ يمر اليوم بجفافٍ قاسٍ في الكلمة، تبقى الإذاعة آخر المساحات التي يستطيع فيها الصوت الحر أن يقول للناس: المعرفة حق، والوعي قوة، والجمهورية فكرة تبدأ من عقلٍ مستنير.