القضية الجنوبية: أزمة تعريف أم أزمة قيادة؟
بقلم/ احمد طلان الحارثي
نشر منذ: شهرين و 23 يوماً
الثلاثاء 27 يناير-كانون الثاني 2026 07:27 م
 

القضية الجنوبية قضية سهلة من حيث المبدأ، معقّدة في التطبيق، وقد سُهِّلت حلولها، غير أن القائمين على تبنّيها عجزوا عن تعريفها تعريفًا واضحًا ودقيقًا، بما يتيح لمختلف فئات المجتمع الإسهام في إيجاد حلول مناسبة تلبي متطلبات الجميع، دون استثناء أو إقصاء أو تهميش.

وانطلاقًا من وجهة نظر شخصية، يمكن تعريفها بأنها: جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية التي اندمجت مع الجمهورية العربية اليمنية عام 1990م، غير أن هناك من يعرّفها من زوايا ورؤى مختلفة.

 

فالفريق الأول تبنّى حملها والسعي إلى إعادتها، مع حذف ربع اسمها، حيث قال إنها (جمهورية اليمن الديمقراطية)، مع الإبقاء على شعارها وعلمها ومسمّاها الجغرافي، أي ضمن حدودها بين 1 ديسمبر 1967م و21 مايو 1990م.

والحقيقة أن هذا الفريق كان أولى بحملها والمطالبة بإعادتها، لأنه هو من أوجدها، وهو من ذهب بها، وهو من أراد عودتها ولو باجتزاء جزء من اسمها فقط.

ومع ذلك، فقد عاش أفراد هذا الفريق خلال الفترة الانتقالية وما بعدها في نعيم الفلل المزخرفة والسيارات الفارهة، وتقاسموا المناصب ضمن نطاق جغرافي وشخصي ضيق، دون أن تحرّك فيهم الظروف المعيشية القاسية لجماهير الجنوب مثقال ذرة من ضمير، أو إحساس بالغبن الذي فُرض عليهم نتيجة سوء إدارة دولة الوحدة، وهو ما انعكس سلبًا على اليمن عمومًا.

 

غير أن هذا الفريق رأى أن النتائج المرجوّة من الدخول في وحدة اندماجية لم تحقق الحد الأدنى من استمرار المصالح لتلك المجاميع، فكان اللجوء إلى التخطيط للانفصال والسير في طريقه خيارهم الوحيد.

لكن الظروف لم تساعدهم، فمات الحامل والمحمول لأسباب عديدة لا يتسع المجال لذكرها، لعل أبرزها على الإطلاق كراهية العودة إلى نظام الحكم الشمولي وما أفرزه من أحقاد وضغائن.

 

أما الفريق الثاني، فقد ابتدع لها تعريفًا واسمًا جديدًا، فقال إنها (الجنوب العربي)، مع الإبقاء على العلم والشعار، وتغيير مفهوم الجغرافيا إلى مفاهيم مضلِّلة قائمة على المراوغة والتعويم.

غير أن حقيقة هذا المسمّى تعيدنا إلى عهد الاستعمار البريطاني البغيض، حيث كان يضم أكثر من عشرين وحدة إدارية ذات استقلال مالي وإداري، بين سلطنة ومشيخة وإمارة.

 

ومع أن الحامل لهذا المسمّى الجديد لم يكن بالمستوى المطلوب، ولا صاحب اختصاص أو ولاية شرعية، فقد امتطى ظهر القضية واستغل اسمها لتحقيق مصالح شخصية لا تمتّ لحاجات الجمهور بأي صلة.

فقد كانت مقاليد القيادة والإدارة بأيديهم، ومع ذلك لم يقدّموا أي خدمة تُذكر لرعاية الناس أو توفير متطلبات حياتهم الضرورية، بل جعلوا من الجمهور وقودًا لنيران مطامعهم، وسلّمًا للصعود إلى قمة التسلّط والانفراد بالرأي، وطغيانًا قياديًا متهورًا.

 

ومع العجز التام عن أداء المهام المطلوبة، تمادى هذا الفريق في تكريس حالة البؤس والشقاء لمن يدّعي تمثيلهم ورعاية مصالحهم طوال عقد من الزمن، إلا نادرًا.

وبذلك سقط الحامل لهذا الاسم سقوطًا تلقائيًا، وأعلن فشله الذريع وعجزه عن تحقيق الهدف الذي كان يدّعي العمل من أجله، كما ورد على لسان المتحدث الرسمي لهذا الفريق.

 

ومع ذلك، لا يزال قسم منه مصرًّا على السير في هذا الطريق، ومع افتراض القبول بهذا المسلك الخاطئ، فإن نتائجه ستكون كارثية على هذه الجغرافيا برمّتها؛ إذ لن تعود الأمور كما يتمنّون، بل ستكون القاصمة لظهر النسيج الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لما يسمّونه (الجنوب العربي).

كما سيفتح ذلك الباب واسعًا للعودة إلى ما قبل الاستقلال، حيث لا أحد أفضل من أحد، ومن لا يرغب في التآزر والتآلف مع الآخرين، فلن يكون من حقه إرغام الأقربين على البقاء تحت عباءته، في إطار من الضم والإلحاق، وكلٌّ تكفيه بلاده وأرضه.

 

وإذا ما تغاضينا عمّا تم التوصل إليه من رؤى توافقية لفريق القضية الجنوبية حول جذورها ومحتواها، وفق استخلاصات أربعة عشر مكوّنًا سياسيًا ومجتمعيًا شاركوا في مؤتمر الحوار الوطني الشامل، فإن السؤال الجوهري يظل مطروحًا:

ما هو المسمّى الجديد؟ وما الذي يمكن طرحه على طاولة الحوار (الجنوبي–الجنوبي) المزمع عقده برعاية كريمة من حكومة المملكة العربية السعودية الشقيقة؟