حين ينهض العلقمي في هيئة بن بريك
بقلم/ سيف الحاضري
نشر منذ: شهر و 11 يوماً
الإثنين 29 ديسمبر-كانون الأول 2025 04:54 م
  

مرآة الخيانة: حين يتكرر السقوط بأسماءٍ مختلفة

في ليلٍ لا ينتمي إلى زمان،

كانت هناك قاعة بلا جدران،

سقفها من دخانٍ ثقيل،

وأرضها من خرائط ممزّقة،

تتشابه فيها الوجوه كما تتشابه الخيانات،

وجهٌ خرج من رماد الماضي،

ووجهٌ يتغذّى على فوضى الحاضر.

 

وفي منتصف القاعة،

وقف رجلان متقابلان،

كأنهما انعكاسان لمرآة واحدة انكسرت ثم أعادت إنتاج شظاياها.

 

الأول يرتدي عباءة بغداد القديمة،

والثاني يلبس ثوبًا حديثًا بلا لون ولا هوية،

لكن عينيه كانتا أقدم من الزمن،

قديمتين في الخداع،

راسختين في تمرين الضمير على الصمت.

 

تقدّم الأول خطوة، وقال بصوتٍ هادئ

هدوء من خبر الخيانة حتى صارت مهنة:

 

“أنا الذي لم يهدم سور بغداد،

بل أقنعت الحراس أن السور فكرة متقادمة،

وأن الدولة انتهت،

وأن الغزاة هم المستقبل.

قلتُ إن الانبعاث لا يولد إلا من الركام،

فصدّقوني…

وسلموا المدينة باسم العقل والنجاة.

أنا ابن العلقمي

الاسم الذي لا يموت،

لأن الخيانة تحب الخلود.”

 

كان الرجل الآخر يصغي،

لا كمتعلّم،

بل كوريثٍ تجاوز أستاذه.

 

ابتسم، وقال بثقة من جرّب كل الأقنعة حتى نسي وجهه:

 

“وأنا تلميذك في هذا العصر،

مجدّد تراثك،

لكن بأدواتٍ أحدث.

لم أفتح الأبواب…

أنا فجّرت الجدران من الداخل.

بدأتُ واعظًا،

ثم حارسًا،

ثم وزيرًا،

ثم صرتُ فكرةً بلا وطن.

أنا هاني بن بريك

حيث تُقسَّم البلاد باسم الخلاص،

وتُستباح الدماء باسم العقيدة،

وتُغلف الصفقات بآياتٍ مبتورة.”

 

اقتربا من بعضهما،

كأن المسافة بين القرون تقلّصت فجأة.

 

قال ابن العلقمي:

 

“الخيانة لا تأتي بالسيوف،

بل بالمنطق.

تبدأ نصيحة،

ثم إصلاحًا،

ثم ضرورة،

ثم قرارًا لا يجرؤ أحد على رفضه.”

 

ردّ الآخر:

 

“وأنا لم أحتج إلى الإقناع طويلًا،

زرعتُ الخوف،

وسقيته بخطاب الهوية،

وحصدته واقعًا جديدًا.

التقسيم لا يُفرض،

بل يُفتى له،

حتى يبدو كأنه قدر.”

 

وفجأة،

ظهرت خريطة معلّقة في الهواء.

 

في زاويةٍ منها:

بغداد تحترق بصمت العلماء،

وفي زاويةٍ أخرى:

اليمن تتشقق بخطب الوعّاظ.

 

قال ابن العلقمي متفاخرًا:

 

“لعنني المؤرخون،

لكنهم كتبوا اسمي.

وهذا يكفي الخونة.”

 

ابتسم بن بريك وقال:

 

“سيختلفون في اسمي،

لكنهم سيتفقون على النتيجة:

وطنٌ أقل،

ودمٌ أكثر.”

 

ثم ارتفعت أمامهما مرآة ضخمة.

 

نظرا فيها…

فلم يريا وجهيهما.

 

رأيا مدنًا بلا ذاكرة،

وشعوبًا تتجادل بعد فوات الأوان:

 

“من خان؟

ومن صدّق؟

ومن صفق؟”

 

خرج صوتٌ لا يُرى،

لكنه أثقل من التاريخ:

 

“الخائن لا يعمل وحده،

هو الحلقة الأخيرة

في سلسلةٍ طويلة من الصمت،

والتبرير،

والبحث عن الأعذار.”

 

اختفى الرجلان.

 

وبقيت المرآة.

 

كلما اقترب منها جيلٌ جديد،

سأل السؤال نفسه…

دائمًا متأخرًا:

 

“متى بدأنا نقتنع أن الوطن

يمكن التفاوض عليه؟”

 

ليست الخيانة حادثة عابرة،

ولا شخصًا يُلعن ثم يُنسى.

هي مسارٌ طويل،

يبدأ حين يُكافأ الصامت،

ويُخوَّن الصادق،

ويُقدَّم الخراب بوصفه حكمة.