حزب الإصلاح بمأرب ينعى عضو هيئة شوراه الشيخ بن وهيط ويشيد بنضاله الجمهوري وبطولاته
تعرف على أسعار الدولار والريال السعودي في اليمن
لماذا تخلت الإدارة الامريكية عن قوات قسد.. وكيف تبخرت بين عشية وضحاها من سوريا؟
توجيهات رئاسية خاصة لمحافظي المهرة وشبوة عقب استدعائهم إلى الرياض
هل تُجرد المغرب السنغال من لقبها الأفريقي وفقًا للمادة 82؟
خريجون يمنيون ضمن الدفعة الثامنة لكلية الشرطة القطرية بحضور السفير بادي
العقيد غانم مرح يطلق حملة توعية مرورية لطلاب المدارس بعد تصاعد الحوادث في مأرب .. ارقام وإحصائيات الحوادث في المحافظة
حزب الإصلاح: السعودية حائط صد أمام مشاريع التفتيت في اليمن والمنطقة و توحيد القرار العسكري يقلب ميزان القوة والبنادق المستأجرة تتحول إلى وبال على اليمن وجيرانه
عاجل: نجاة القائد البارز في قوات العمالقة حمدي شكري من محاولة اغتيال في عدن وسقوط قتلى وجرحى (صور)
محافظ عدن يرفع صور الرئيس العليمي في اجتماعاته ويناقش أولويات التنمية وتطوير القطاع الصحي وآلية لترقيم السيارات (صور)
تشهد المنطقة العربية في السنوات الأخيرة تصاعدًا لافتًا في مشاريع التقسيم الناعم، عبر تفكيك الدول من الداخل بدلًا من غزوها من الخارج. وإذا كانت اتفاقية سايكس بيكو 1916 قد رسمت حدودًا استعمارية بين فرنسا وبريطانيا في أعقاب الحرب العالمية الأولى، فإن ما يُرسم اليوم يتم بأدوات جديدة: ميليشيات محلية، غطاء دولي، انقسام داخلي، وتحالفات عابرة للحدود تحت لافتات الطائفة أو العرق أو الجهة الجغرافية.
في يوليو 2025، أُعلن في السودان عن تشكيل مجلس تأسيسي جديد في غرب البلاد بمشاركة قوى مناطقية، في خطوة تعكس انهيار السلطة المركزية وبداية انقسام فعلي للدولة، وهو ما يدفعنا للسؤال: هل نحن أمام نسخة جديدة من سايكس بيكو؟
الحالة اليمنية تمثل واحدة من أخطر النماذج على هذا التحول. فمنذ سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء في 2014 بدعم مباشر من الحرس الثوري الإيراني، بدأت تظهر ملامح كيان موازٍ داخل الدولة اليمنية، يعتمد على تعبئة طائفية، ومؤسسات أمنية واقتصادية وإعلامية بديلة، وتوجيه كامل من طهران في كل ملفات السياسة والاقتصاد والعلاقات الخارجية. وقد أشار تقرير مجلس الأمن (2018 و2022) إلى حجم الدعم الإيراني العسكري للحوثيين، بما في ذلك الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وهو ما أكدته أيضاً تقارير أمريكية وغربية عن استخدام الحوثيين لأنظمة قيادة وتحكم إيرانية لضرب أهداف في السعودية والإمارات.
في المقابل، تشكّل مجلس القيادة الرئاسي اليمني عام 2022 كمحاولة لتوحيد مكونات الشرعية، إلا أن تركيبته غير المتجانسة، وتعدد مرجعيات أعضائه، وعدم امتلاكه أدوات فعل ميداني موحدة، جعله عاجزًا حتى الآن عن كسر الانقلاب أو حتى تشكيل حكومة فاعلة على الأرض. وقد أدى تباين الرؤى بين السعودية والإمارات حول دعم بعض المكونات داخل المجلس، وغياب التنسيق الكامل، إلى حالة جمود سياسي، واستمرار سيطرة الحوثيين على الشمال، وتهديدهم المستمر للملاحة في البحر الأحمر، وهو ما أكده تقرير لجنة العقوبات الدولية الخاصة باليمن (يناير 2024).
أما في السودان، فالحرب المستمرة منذ أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع كشفت بوضوح عن انزلاق الدولة إلى سيناريو "اللبننة"، حيث تتحول الفصائل المسلحة إلى قوى أمر واقع تسيطر على مناطق كاملة. ومع إعلان حميدتي والحلو تشكيل مجلس تأسيسي وحكومة موازية في غرب السودان، برئاسة حسن التعايشي، تبدو البلاد في طريقها إلى سيناريو شبيه بانفصال جنوب السودان عام 2011، خاصة إذا تكررت المعادلة الدولية ذاتها: صراع طويل، تدخلات خارجية، ثم مبادرة دولية تنتهي بفصل المناطق عن المركز. وقد أكد تقرير مجموعة الأزمات الدولية (2023) أن النزاع السوداني إذا لم يُحسم داخليًا فإن الحلول الخارجية ستذهب نحو تقسيم فعلي تحت مسمى التهدئة أو الفيدرالية.
وفي ليبيا، نجد حالة موازية من التفكيك، إذ توجد حكومتان رسميتان: واحدة في الشرق بقيادة حفتر مدعومة من مصر والإمارات، وأخرى في الغرب برئاسة عبد الحميد الدبيبة مدعومة من تركيا وقطر. وقد أشار تقرير معهد كارنيغي (2022) إلى أن ليبيا أصبحت مسرحًا لتجاذب نفوذ إقليمي ودولي يتجاوز القضية الليبية، ويكرّس نفوذًا أجنبيًا داخل الدولة، ومن أبرز ملامح التشظي الليبي: انقسام المؤسسات النقدية، تعدد مصادر التشريع، وتنازع السيادة على الثروات النفطية. أما الجنوب الليبي، فقد تحول إلى منطقة خارجة عن السيطرة، تستخدمها قوى تهريب وسلاح ومرتزقة أفارقة، كما أشار تقرير لجنة الخبراء التابعة لمجلس الأمن (2023).
وفي سوريا، فالنموذج أكثر وضوحًا وعمقًا، فالنظام السوري الذي كان مدعوم من روسيا وإيران وقبل سقوطه السريع كان يسيطر على أجزاء واسعة من البلاد، في حين كانت وما زالت تديرها قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكيًا وغربيًا في الشمال الشرقي، وهيئة تحرير الشام وفصائل أخرى موالية لها في إدلب ومناطق الشمال الغربي. وقد وصفت تقارير الأمم المتحدة (2022) الوضع السوري بأنه "تفكك سياسي عميق" يعكس انهيار الدولة الوطنية، ويؤسس فعليًا لثلاثة كيانات بحكم الواقع. ومن اللافت أن المشروع الإيراني تقاطع مع المشروع الروسي ضمن تقاسم وظيفي للميدان السوري ومصالح متبادلة، في حين بقي الشعب السوري مجزأ ومُنهكًا بلا أي أفق لحل وطني جامع، رغم المحاولات الأخيرة من أحمد الشرع ورفاقه لإعادة بناء الدولة السورية وعدم الانجرار لحرب مع الدروز العلويين في الجنوب أو الأكراد في الشمال الشرقي.
ما يجمع بين هذه الحالات هو الآتي: أولًا، وجود ميليشيات مسلحة تتجاوز سلطة الدولة وتمتلك دعمًا خارجيًا. ثانيًا، وجود تواطؤ دولي أو صمت في التعامل مع هذه القوى باعتبارها "شركاء سياسيين" لا انقلابيين. ثالثًا، انهيار مفهوم السيادة الوطنية الموحدة، وصعود سرديات فدرالية أو انفصالية تتغذى على خطاب المظلومية والتنوع العرقي والطائفي. رابعًا، فشل النخب الوطنية في بناء تحالف سياسي جامع، واستمرار اعتمادها على الخارج كوسيط لا كداعم.
أما على مستوى التأثير الإقليمي، فإن دول مجلس التعاون الخليجي ومصر ليست في منأى عن هذه التداعيات. فالسعودية تواجه خطر تحول الحوثيين إلى ذراع استراتيجي لإيران على حدودها الجنوبية، وهو ما يجعل أمنها القومي مهددًا بشكل مباشر، خاصة مع استمرار التوترات في شرق المملكة. وجاء الهجوم الحوثي على منشآت أرامكو في بقيق (2019) كإشارة مبكرة، تلته هجمات متكررة على سفن في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بما في ذلك إغراق سفينتين تجاريتين (ماجيك سيز وأترينيتي سي)، وهو ما يهدد التجارة الدولية والملاحة البحرية. وقد دفع هذا التصعيد الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي إلى شن ضربات جوية ضد الحوثيين (يناير 2024)، وتشكيل تحالفات بحرية مثل "حارس الازدهار" و"أسبيدس"، كما أكدت وزارة الدفاع البريطانية.
الإمارات تواجه معضلة مشابهة بسبب دعمها السابق لفصائل جنوبية تمارس وظائف الدولة خارج إطار الشرعية، مما يكرّس نموذج "الدولة داخل الدولة"، ويضعف الموقف العربي أمام المجتمع الدولي في مسار الحل السياسي. أما مصر، فإن انفصال دارفور وكردفان أو استمرار النزاع في السودان لمدى طويل سيؤثر على أمنها القومي، ويزيد من مخاطر الهجرة والنزوح، والضغط على جبهة النيل، في ظل تهديدات قائمة في سيناء وغرب ليبيا وسد النهضة.
الفرق بين سايكس بيكو الكلاسيكية والنسخة الحديثة هو أن الأولى كانت خريطة فوقية تُرسم في الخارج، أما الثانية، فهي تُرسم من الداخل بأدوات محلية وقوى دولية تتقاطع مصالحها مع هذه التفككات.
المطلوب الآن ليس فقط الحذر من مشاريع التقسيم، بل استعادة زمام المبادرة عربيًا، عبر تحالف استباقي يدمج البعد الأمني بالفكري والتنفيذي، قبل أن يستفيق العرب على كيانات جديدة مرسومة بالدم والمصالح لا بالشرعية والشعوب.
إن الواجب الآن لا يقتصر على التصريحات، بل على إعادة صياغة مشروع عربي مشترك يواجه هذا التفكك، من خلال: دعم الدولة الوطنية كمفهوم سياسي ومؤسسي، وليس كشعار مركزي مفرغ من المعنى. بناء تحالف سياسي وعسكري وإعلامي حقيقي داخل اليمن وخارجه يواجه المشروع الحوثي باعتباره رأس الحربة في خطة إيرانية إقليمية. دعم مؤسسات الدولة الشرعية اليمنية بكل الوسائل، وتوحيد القيادة العسكرية تحت سلطة مدنية واحدة، وتفكيك التشكيلات غير الرسمية ودمجها في وزارة الدفاع والداخلية. تجريم التعامل مع الميليشيات المسلحة كمكونات سياسية، سواء في اليمن أو ليبيا أو السودان، لأن الاعتراف بها يشكل ضربة مباشرة لفكرة الدولة.
اليمن ليست مجرد ساحة حرب، بل هي معركة إقليمية فاصلة بين مشروعين: مشروع عربي قائم على الدولة الوطنية، ومشروع فارسي توسعي قائم على ميليشيات دينية ومناطقية. والحسم في اليمن، سياسيًا أو عسكريًا، سيكون له أثر استراتيجي على مستقبل سوريا والعراق ولبنان والسودان. ومن يربح اليمن، يربح بوابة الجزيرة العربية ومفتاح البحر الأحمر وأمن الخليج. أما من يخسرها، فسيفتح باب الفوضى على نفسه، ليس فقط في الحدود، بل في الداخل أيضًا.