ريمة.. واحة الوعي وقلعة السلم الاجتماعي
بقلم/ علي محمود يامن
نشر منذ: 5 أشهر و 9 أيام
الأربعاء 02 يوليو-تموز 2025 08:10 م
   

ظلت ريمة عصية على الفتن، ومحصّنة من الاختراق الطائفي تاريخيًا، وبعيدة عن الرعونة التي تمارسها الميليشيات في معظم المناطق التي تسيطر عليها.

ويُعزى ذلك إلى مستوى الوعي الاجتماعي والتعقّل الذي يتمتع به كثير من وجاهات وقيادات المحافظة، وإلى الاستفادة من التجارب؛ وهو ما حافظ على مستوى جيد من السلم الاجتماعي والتلاحم بين أبناء المحافظة، وحدّد الكثير من أبنائها خياراتهم بالمواجهة خارج ريمة، وفي جبهات القتال.

 

لكن الحدث الأخير، المتمثّل في الاعتداء على الشيخ صالح حنتوس— المصاب بعديد أمراض مزمنة والذي يعيش في عقده الثمانيني— يرفض الاذلال ويدرك ان موته اشرف من ان يتعفن جسده بالموت البطيء في سجون الطغاة، وهو مع ذالك لا يشكل خطورة على احد، هذا الاعتداء على الرجل واهله يحمل الكثير من الرعونة والإجرام والطيش، وسوء الأدب مع الله والوطن.

فالرجل لم يرتكب ذنبًا سوى تعليم القرآن الكريم في المسجد، بعد أن أُغلق دار القرآن التي أسسها قبل سنوات.

 

نُراهن على حكمة ونخوة وجاهات ريمة، وعلى وعي أبنائها، حتى وإن اختلفنا معهم في بعض خياراتهم.

نأمل منهم أن يحافظوا على السلم الاجتماعي، وأن يتركوا لريمة تاريخها الناصع في مناصرة الحرية، ومواجهة الظلم، ومحاربة الاستقواء بالدخلاء.

 

ستبقى ريمة، وسيغادر الطارئون مهما علا صوتهم.

فليتذكروا تاريخ السلفية العظيم، التي واجهت المد الطائفي الزيدي منذ البطل الشيخ علي بن يحيى المنتصر، مرورًا بقوافل المناضلين في بواكير ثورة 26 سبتمبر المجيدة، وملحمة السبعين، وحتى أحرار الجبهة الوطنية، وكل مراحل النضال الوطني المشرق.

***^

مديرية السلفية - ريمة: بيئة نضالية نزاعة للحرية

من هذه المديرية تشكّلت أول مقاومة منظمة ومسلحة في أواسط القرن الثالث عشر الهجري لإجلاء المستوطنين من الحملات العسكرية الزيدية، الذين أسّسوا الحصون واستوطنوا أعالي القمم، وجلبوا الذراري، واستقطعوا الأراضي الزراعية .

 

كان للسلفية دور بارز في طليعة أحرار سبتمبر المجيد، وسجّلت حضوراً فاعلاً في ملحمة حصار السبعين يومًا. كما استعصت على الدولة المركزية خلال حروب الجبهة الوطنية، وكانت ملاذًا آمنًا لقيادات اليسار من مختلف مناطق اليمن.

 

سماها الراحل علي عبدالله صالح - رحمه الله - “عدن الصغرى”، إذ فشلت فيها كل الحملات، وفرضت وجودها بالتفاوض من موقع قوة. وقد التحق أبناؤها بالقوات المسلحة ككتلة واحدة، ومنحوا رتبًا عسكرية تقديرًا لتاريخهم النضالي، وبأسهم في القتال بخلاف بقية مديريات الشمال.

 

من المؤسف أن تُدفع اليوم هذه المديرية العزيزة على يد صبية مراهقين، فاقدين لشرف الخصومة، ليكونوا مطيةً لآلة الموت القذرة الزاحفة من الكهوف، فتعتدي على رجلٍ مسن، معتدٍّ بنفسه وكرامته.

 

رحم الله الشيخ صالح حنتوس، فقد أضاف سِفرًا خالدًا وسطورًا مشرقة إلى صفحات المجد التاريخي للسلفية: الأرض والإنسان والنضال.